قضايا ودراسات

على الهامش

يتساءل أحد واضعي كتاب «التاريخ الجديد»: «كيف يمكن أن نعتمد دفتراً جبائياً لإعادة تركيب سكان مدينة ما عندما لا يشمل إلا أسماء من دفعوا الضرائب فعلاً. ماذا كانت نسبة الذين لا يملكون شيئاً؟».
السؤال يرد في سياق حديث عن تلك الفئة الواسعة من الناس التي يطلق عليها المهمشون أو الهامشيون، في إشارة إلى وجودهم على هامش من يجري الاعتراف بهم، من المقيدين في سجلات العمل أو الجباية، والذين أظهرت التجارب، بما فيها تجارب بلداننا العربية، وربما بالأخص فيها، أن الواقعين في الهامش كثيراً ما كانوا وقوداً لتغيرات حاسمة في مسار المجتمعات.
ولأنهم مهمشون أو هامشيون فإنهم لا يؤخذون في الحسبان غالباً عند وضع السياسات ورسم التوقعات، لذا فإن ما يصدر عنهم من ردود أفعال يكون خارج كل تلك التوقعات، بما يفاجىء الجميع بأمور لم يحسبوا حسابها، أو أغفلوا بوعي أو بدون وعي نُذرها.
قلنا هنا ذات مرة ما مفاده أن ما يطلق عليه العشوائيات في مصر، وأحزمة الفقر التي تشكلت حول العواصم والمدن العربية، كالضاحية الجنوبية في بيروت أو ما يعرف بأرياف دمشق وحلب وغيرها تضخم عدد القاطنين فيها، حتى بات يضاهي عدد سكان المدن الأصليين.
وهي جميعها تشكلت كنتاج للهجرات الواسعة التي تفرضها الظروف المعيشية الخانقة، أو الحروب الأهلية، وربما الكوارث الطبيعية، فالكثير من أحياء مدينة سيدي بوزيد التونسية، مثلاً، تحولت إلى حاضنة للنازحين من الأرياف المجاورة على أثر فيضانات جرت في نهاية ستينات القرن الماضي.
ونحن نعلم ما أنتجته هذه العشوائيات وأحزمة الفقر والضواحي البائسة من ظواهر لم يكن من السهل التحكم فيها أو احتواؤها، لأنها لم تكن محل دراسة وتحليل لرؤية إلى أي مسارات يمكن أن تفضي.
الكثير مما ينظر إليه بصفته هامشاً يمكن أن يكون له من التأثير منزلة القلب، لا في الحاضر وحده، وإنما عبر التاريخ أيضاً.
ولفت نظري تعليق لمختصة في العمارة ورد في فيلم تسجيلي عن الطوب الأحمر الذي استخدم في تعمير مدينة بكاملها، قالت فيه إن من شيّدوا كل هذا المعمار كانوا رقيقاً بلا أسماء، يمنحون مجرد أرقام، فلم يخلف أحد من هؤلاء البناة المبدعين ذكرى يمكن العودة إليها، وما يقال عنهم يمكن أن يقال عن من شيدوا أهرام مصر أو مسلاتها.
أيصح اعتبار مشيدي المدن مجرد أرقام أو حتى أصفار؟ أيصح اختزال التاريخ في المعارك والحروب والمواقف وسير الأباطرة والملوك، رغم أن كل ذلك تاريخ مهم بالفعل، دون الالتفات إلى تلك المنجزات والأحداث التي بلا أسماء، وبدونها لا يكتمل التاريخ؟
د. حسن مدن
madanbahrain@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى