قضايا ودراسات

ومن الإعجاب ما قَتَل

خيري منصور
لكل إعجاب حدود ما إن يتخطاها حتى يصبح مهدداً بالكراهية خصوصاً في غياب الحد الأدنى من الندية والتكافؤ.
وهناك مسرحية فرنسية لجان جينه عن خادمة تعجب بسيدتها حدّ الجنون، وتنتظر خروجها من البيت كي تستخدم ثيابها ومساحيق التجميل، ثم تجلس أمام المرآة لتقلدها في الكلام والابتسامة والغضب أيضاً.
وذات يوم قررت الخادمة قتل سيدتها كي تتخلص من حالة التقمص التي أصابتها بالازدواجية؛ لكنها تكتشف أن السيدة تعيش في داخلها، وأن قتلها يتطلب أن تقتل نفسها أولاً فكان التفكير في الانتحار هو الحلّ !
في مجالات عديدة من حياتنا يحدث ذلك، وإذا كان حقاً هناك من الحب ما قَتَل، فإن بالمقابل هناك من الإعجاب ما قَتَل، ولعلّ ما قدمه الراحل نجيب محفوظ في رواياته التي تحولت إلى أفلام سينمائية يجسد هذه الحالة.
ومن شاهدوا فيلم «شيء من الخوف» بالأبيض والأسود المأخوذ عن رواية ثروت أباظة، لا بد أنهم يتذكرون تلك الشخصية التي أعجبت ببطل الفيلم عتريس وحاول تقليدها؛ لكنه في النهاية فقد عقله وأصبح ملهاة للأطفال في القرية!
وحدود الإعجاب لا يصنعها شيء كالندية، وفي غيابها قد تتحول المحبة العارمة إلى بغضاء.
وهذه الظاهرة ليست مقتصرة على الأدب، فعلم النفس له باع طويل فيها، وفي عالم السياسة هناك زعماء قلدوا زعماء آخرين فانتهوا إلى ما يشبه الكاريكاتور؛ لأن الإنسان حين ينسجم مع ذاته ويصدق معها يعيش بسلام، ومن دون صراع نفسي حاد قد ينتهي إلى الهلاك.
وإذا شئنا استحضار أمثلة عن الحب القاتل فهي عديدة، ومبثوثة في الحكايات الموروثة، وفي بطون الكتب؛ لكن الإعجاب القاتل لا يظهر على السطح بوضوح، ويحتاج إلى عبقريات روائية أو سايكولوجية تكتشفه؛ لأن ظاهر الإعجاب ناعم الملمس ودافئ؛ لكن باطنه كما في مسرحية جان جينه سام وقاتل!Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى