قضايا ودراسات

الريف العربي في ميزان السياسة

حسام ميرو
ما زال الريف في العالم العربي يشكّل إحدى القضايا المسكوت عنها في النقاش السياسي، مع أن الكثير من الدول العربية تعتمد على الزراعة كقطاع رئيسي، وتشكل حصة الإنتاج في هذا القطاع جزءاً وازناً من المداخيل الوطنية، بينما لا تحظى الحواضن الريفية بالتنمية الضرورية لها، وهو ما تؤكده جملة من الوقائع، وأبرزها تلك التي أظهرها ما يسمى «الربيع العربي»، خصوصاً في تجربتي تونس وسوريا، حيث كان للمشاركة الريفية دور بارز فيما حصل، بغض النظر عن النتائج التي تلت انطلاق الحراك في البلدين.
ولقد استغلّت بعض النخب الحاكمة الريف بأشكال متعددة لدعم استمرار وجودها في الحكم، ويمكن القول إن تجارب الأحزاب القومية التي وصلت إلى السلطة قد اعتمدت على الكتلة الريفية بشكلٍ رئيسي، خصوصاً أن قادة كثراً من أبناء هذه الأحزاب ينتمون إلى الريف، لكن ذلك لم يمنعهم فعلياً من عدم الاهتمام بإحداث تنمية حقيقية ومستدامة في الريف، بل على العكس من ذلك فقد تعمّدوا في بعض الحالات حرمان الريف من التنمية، والتحالف مع برجوازيات المدن، ضمن شروط تضمن عدم تحوّل تلك البرجوازيات إلى طبقة ذات طموح مستقل عن الطبقة السياسية، وفاقدة لأي مسعى في التغيير.
كما كان للريف نصيب كبير من الأزمات الناجمة عن غياب العلاقة بين التعليم ومخرجاته، فلم ينعكس العدد الكبير لأعداد الخريجين خلال العقود الماضية بشكلٍ إيجابي على الأرياف، بل إن طيفاً واسعاً من أبناء الريف الذين تلقّوا تعليمهم العالي في المدن لم يعودوا إلى أريافهم، وحُرمت بالتالي من تعليمهم وكفاءاتهم وخبراتهم، وربما كان من الطبيعي بمكان ألا يعودوا، قياساً إلى انعدام البنى التحتية اللازمة لاستيعابهم، في ظل استمرار حالة التهميش للأرياف، وتراكم الثروات والأعمال في المدن الكبيرة.
ومن بين إحدى أكثر النتائج التي نجمت عن إبقاء الفجوة واسعة بين الريف والمدينة هو تحوّل الكثير من أبناء الريف للتطوّع في سلكي الجيش والأمن، فغياب التنمية جعل من هذين السلكين الطريق الوحيد المفتوح أمامهم، وهو ما يمكن ملاحظته بكثير من الوضوح، خصوصاً في الأنظمة السياسية القائمة على النخب العسكرية، التي وجدت في متطوعي الأرياف جيشاً من الموالين لها، في الوقت الذي انكفأت فيه النخب المدينية، وعموم أبناء المدن، عن السلكين آنفي الذكر، خصوصاً أن صعود الطبقة العسكرية إلى الحكم في بعض الدول العربية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، أخرج النخب المدينية من موقع التأثير في القرار السياسي.
وليس من قبيل المبالغة أن بعض التوصيفات التي أعطيت لما يسمى «الربيع العربي» بأنها انتفاضات ريفية، وليس من قبيل المصادفة أن الحراك المسلح المعارض ضد النظام السوري يتركّز جلّه في الريف، كما أن تمكّن بعض التنظيمات الراديكالية الإرهابية من تنظيم أبناء الريف في صفوفها يحتاج إلى قراءة لمستويات التفاوت بين المدينة والريف، كما أنه يجب ألا ننسى أن نظاماً كالنظام السوري يقاتل المعارضة المسلحة بجيش ينتمي معظمه إلى الريف، وكلّ هذه الأمثلة تشير إلى أن غياب مكانة الريف في الخطط الحكومية للتنمية هو أحد أهم الأوجه التي ينبغي دراستها في سياق فهم أسباب «الربيع العربي»، وما تلاه من نتائج.
لا شك أن الريف العربي كان أحد أكبر الخاسرين في ميزان السياسات الحكومية للنظم السياسية، وأن تلك الخسارة هي أحد أبرز عوامل الانفجار، فالأرياف التي تشكّل كتلاً سكانية كبيرة لم يعد بمقدورها أن تستمر في التنكّر لواقع تهميشها، أو للتعامل الفوقي للمراكز السياسية والإدارية مع شؤونها، وبالتالي فإن الخشية هي أن يكون الوقت قد فات على تدارك الفجوة الواسعة في التنمية بين المدينة والريف، خصوصاً أن أزمات النظام السياسي في التعاطي مع قضايا التنمية باتت أزمات عميقة، والمدن نفسها أصبحت تعيش أزمات التفاوت بين مناطق وأخرى، في ظل التوزيع غير العادل للثروات الوطنية.
إن تفكيك عوامل انفجار الأزمات في العالم العربي أصبح أمراً ملحّاً، وفي مقدمتها أزمة الأرياف العربية، وربما حان الوقت للبدء بإحداث توسعة للنظم المركزية نحو النظم اللامركزية، في استباق لنشوء تفجّر مجتمعي في الحواضن الريفية، إذ إن مثل هذا التفجّر قد يقود إلى صدام مجتمعي واسع، لا يمكن التنبؤ بنتائجه.

husammiro@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى