قضايا ودراسات

الطفل بين التحديث والتأصيل

عبد اللطيف الزبيدي

طال انتظار الجديد في مناهج التربية والتعليم العربية. ندع الذهول إزاء التأخير والتأجيل والإبطاء، لننظر في ما يريد إنجازه وزير التربية والتعليم الجديد في عهد الرئيس ماكرون. جان ميشال بلانكيه في جدول أعماله قضيتان، إحداهما تأسيسية والأخرى تأصيلية، بعبارة قدمائنا: الطارف والتليد، أو الحداثة والأصالة.
شعار الأولى: «وقت الطفل»، ما يمكن أخذه على أنه الصوت، أمّا الصدى فهو «زمن الطفل». يجب حمل هذا الشعار على أنه يرمي إلى إعادة تأسيس نظام التربية والتعليم برمته على قاعدة أن طفل اليوم وهذا الزمن، هو الذي سيكون في قمرة قيادة الغد، في زمان يتطور ويتغير بمفاجآت تفلت من حساب المخططين. لم يعد المقود المحلي في أي بلد، بمعزل عن التحولات الكبرى في العلوم والتقانة عالميّاً، ما يفرض ضرورة التطوير المنتظم باستمرار. ما يتعلمه الطفل في الابتدائية اليوم سيصبح قديماً بعد بضع سنوات، فإذا أقمنا الإعدادية والثانوية عليه ثم الجامعة على الأخيرة، فإننا سنرى، ولو بكاريكاتير مع مبالغة، جيلاً علومه ورؤيته للعالم العملي، تشبه عملة أهل الكهف والرقيم، تجاوزها الزمن.
الشق الآخر من برنامج وزير ماكرون، يتمثل في إعادة ترسيخ اللغتين اللاتينية واليونانية باختيار الطالب إحداهما في المناهج. لا يستطيع الطالب الفرنسي فهم لغته وجذورها من دون الإلمام بالتقارض المتبادل في الأصول. من حقه وواجبه أن يعرف تركيبة لغته، لماذا تكتب وتنطق على النحو السائد حالياً. من الضروري أن يدرك من أين جاء معنى الكلمة، وكيف تطور عبر الزمن.
ها نحن في دار العربية الآن. في بدايات «اللزوم» دعا العمود إلى تدريس اللغة الآرامية (السريانية) في مناهجنا: «الآرامية في الثانوية لمَ لا؟» معمعة لغوية عظيمة وبعيدة المدى، تخوضها الشارقة بانطلاق مشروع المعجم التاريخي للغة العربية. ألا يحتاج هذا الصرح المعجمي، الذي يتطلب عقوداً لاكتمال تشييده، إلى أجيال من المتخصصين في اللغات السامية وعائلتها الكبرى الأفروآسيوية، ليغوصوا في أعماق التاريخ وتشابكاته وتشعباته، بحوثاً ودراسات تكون روافد للصناعة القاموسية؟ من المؤسف أن نرى علماء اللغات الشرقية المستشرقين، هم الذين يشكلون أكثر من 95% من روّاد هذه الميادين. نشك كثيراً في أن يصل عدد العرب إلى 5%. المؤلم هو أن العبء سيكون ثقيلاً ومرهقاً لأهل الاختصاص العرب مستقبلاً، سيكون عليهم التحقيق والتدقيق في كل المؤلفات السابقة.
لزوم ما يلزم: النتيجة التوفيقية: يجب إعداد الأطفال الذين سيضطلعون بشؤون الجذور إعداداً مستقبلياً.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى