قضايا ودراسات

الخامس من حزيران

د. حسن مدن
لعلهُ الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم هو الذي قال في إحدى قصائده المبكرة: «في الخامس من حزيران ولدت من جديد»، أو شيئاً بهذا المعنى.
كان الشاعر في ذلك يعبر عن الصدمة التي انتابتنا جميعاً، كأمة، بعد تلك الهزيمة الخاطفة التي حلت بنا، حيث لم تكتف «إسرائيل» بضرب القوات الجوية المصرية فحسب، وإنما احتلت ما تبقى من فلسطين: القدس وكامل الضفة الغربية وغزة، وتوغلت في سيناء والجولان، وأنشأت ميزان قوى جديداً في المنطقة، لم يصحح من حينها، بل استمر في الميلان لمصلحتها على حساب الدول العربية.
«الولادة من جديد» التي عناها سميح القاسم توازي الإفاقة من الحلم أو بالأحرى من الوهم، ولهذه الإفاقة وجع أكبر لمن مكثوا على الأرض الفلسطينية ولم يغادروها كما هو حال القاسم نفسه، الذي لن يكون الأديب الوحيد في أراضي 1948 الذي عبّر عن فدح الخيبة بما جرى، بعد مرور نحو عقدين من قيام دولة العدو المحتل، وهي فترة قصيرة بالقياس بما آل إليه الحال اليوم، حيث امتدت هذه الفترة وتمددت.
رفيق سميح القاسم الروائي إميل حبيبي عبّر، هو الآخر، في «سداسية الأيام الستة»، عن ذلك بعمق لا نظير له، حيث عدت هذه الرواية ثورة على غير صعيد: على صعيد المحتوى، إذ ولج الكاتب دهاليز لم يبلغها أحد قبله، وعلى صعيد الشكل أيضاً حيث عدت تلك الرواية عملاً فريداً من نوعه، وصفه الناقد المغربي سعيد علوش بأنه نص جامع، أو أنه جامع الأنواع، كان الكاتب فيه يسعى لتبديد الغفلة، والتهيؤ لكسر الهزيمة قبل أن تستفحل آثارها، فتكسر فينا الإرادة.
ويا للمرارة أن ما حذر منه الأدب قد حدث في الواقع فعلاً، رغم أن هناك من ظلّ يقول: «لا» في الوقت الذي يريدون فيه من الجميع أن يقولوا «نعم»، وما زالت بطون الأمهات تلد مثل هؤلاء، وستحمل الأرحام مثلهم أيضاً، ولكن مصادرة انتصاراتنا، حتى لو كانت محدودة،مستمرة، مع أنها برهنت أن ثمة إرادات جبارة كامنة لدى الشعوب العربية بحاجة لقيادات واعية وشجاعة تطلقها، من أجل ألا توأد أي ربيعات قادمة، حين تدفع بالصدارة إلى من هم على خصومة حقيقية مع الربيع كما حدث أكثر من مرة، فيعيدوننا إلى نقطة الصفر، أو إلى ما دونها.
لقد كثرت مفردات الخيبة في قاموسنا العربي: النكبة والهزيمة والانكسار والخيانة والتفريط وما إلى ذلك، لكن لسنا الأمة الوحيدة التي انهزمت في التاريخ، ومن سير هذه الأمم التي قهرت الهزيمة يجب أن نتعظ ونستخلص الدروس.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى