قضايا ودراسات

«الإخوان» وعبدالناصر

مارلين سلوم

دائماً ما تثير أعمال وحيد حامد الجدل حولها، وقبل بدء عرض «الجماعة 2»، كان منتظراً أن يحدث ضجة، إنما لم يكن متوقعاً أن تكون الموجة عالية إلى هذا الحد. ولعل السبب وراء ارتفاع حدة الاعتراضات والتحفظات على المسلسل، أنه يتناول تاريخ مصر في حقبة هي نفسها بقيت مصدراً للجدل على مدى 70 عاماً تقريباً، ولا سيما أن تشابك العلاقات والانتماءات والمصالح بين صناع هذا التاريخ، تتباين حوله الآراء أيضاً. وبما أن تلك الأطراف المتصارعة مازال لها أتباع وموالون، فإن كلا منهم يريد تجميل صورة الطرف الذي ينتمي إليه، واعتباره النموذج المثالي والوطني الذي لا يخطئ، لذا من الطبيعي أن نسمع الكثير من الاعتراضات اليوم.
ميزة وحيد حامد أنه ليس «ترزي» دراما يفصل أعماله على مقاس أحد، بل يحيك فكراً، ويستند إلى مراجع قد لا يرضى عنها البعض، ويشكك بصحتها البعض الآخر. وهو لعب على نقطة خطيرة، وهي انتماء الرئيس جمال عبدالناصر وبعض الضباط الأحرار للجماعة سابقاً، ثم انفصالهم عنها، ما شكل صدمة أكبر للجمهور.
إصرار حامد على إبراز تعاطف عبدالناصر مع «الإخوان» في مرحلة ما، وكشف انتمائه السابق لهم، وهي معلومة بلا شك صحيحة طالما أنه كشف عن اسمه الحركي «زغلول»، ثم كشف الاختلاف الفكري بين الطرفين، واتساع رقعة الخلاف بعد قيام الثورة، إنما هي براعة وذكاء شديدان من الكاتب. فمن خلال الانتماء ثم الانفصال، يكشف روح الغدر والخيانة في فكر وسياسة «الإخوان»، وقيام «الجماعة» على مبدأ المراوغة، والدكتاتورية، وإظهار عكس ما يبطنون، تماماً كما يفعل سيد قطب أيضاً.
رويداً رويداً تتصاعد الدراما، والعقدة ستتشكل عند تضخم الأزمة بين ناصر و«الجماعة»، وهو ما سينتهي طبعاً في الحلقات المقبلة بمحاولة اغتيال عبدالناصر. ولعل ما حاول المؤلف التركيز عليه، هو إصرار «الإخوان» على محاولة استغلال الثورة لتشكيل دولة الخلافة من جهة، ومقاومة عبدالناصر وإصراره على أن تكون مصر دولة مدنية لا تعرف الطائفية، وترفض الأحادية الدينية من جهة أخرى.
حبذا لو أن «الغاضبين» يتمهلون في أحكامهم، ويقرؤون المسلسل ونص الكاتب بروية وتجرد من أي انتماء سياسي، والمشي مع الأحداث والجوانب التي يضيء عليها الكاتب أكثر من غيرها، وهو يتعمّد التركيز على الشخصيات ونفسياتها، وليؤجلوا «غضبهم» حتى النهاية، لأن الجمهور يتشوق لمعرفة ما سيحصل في الحلقات المقبلة، ويتوقع في كل يوم أن يحتدم الصراع داخل المسلسل لا خارجه، وأن يكتشف شخصيات أدارت «الجماعة» وحاولت السيطرة على الحكم في مصر، والتدخل في كل الشؤون السياسية والاجتماعية. فما نشاهده على الشاشة يرتبط بشكل مباشر بواقعنا الحالي ليس في مصر فقط، بل في دول مختلفة حول العالم.

marlynsalloum@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى