قضايا ودراسات

الشعوب الحربية

د. محمد الصياد
كانت الحروب، وستبقى كذلك، وفقاً للقراءة المبدئية لبقايا غرائز الإنسان الوحشي التي ما زالت تسكن دواخل إنسان الحضارة المعاصرة، وسيلة العيش والاغتناء لدى الإنسان القديم والإنسان المعاصر على حد سواء. وكان هذان محفزانها الأساسيان منذ الأزل، منذ أول جريمة وحشية اقترفها الإنسان بحق أخيه الإنسان، منذ أن قتل قابيل أخيه هابيل. وتلعب بعض العوامل البيولوجية والأنتروبولوجية (علم الإنسان) والتضاريسية والمناخية والاجتماعية والثقافية دوراً في تشكيل النزعات الحربية لدى مختلف الشعوب والأمم. وهذا ما يفسر أن بعض الشعوب والأمم كانت ومازالت أميَل إلى خوض الحروب من غيرها، فكان أن عُرفت بالشعوب الحربية، بينما هناك من الشعوب والأمم التي لم تخض حرباً على الإطلاق.
ويذكر لورانس ه. كيلي الأستاذ في جامعة الينوي، في كتابه «الحرب قبل الحضارة»، أن ما يقرب من 90-95% من المجتمعات المعروفة على مر التاريخ، قد شاركت على الأقل في حرب عرضية.
ومن نافلة القول إن أُولى الحروب كانت قد وقعت بين القبائل في صورة إغارات محدودة الحيز الجغرافي قبل أن يتطور نطاقها بين المدن المتنافسة والمتزاحمة أولاً، وبين الأمم من بعد، وبين الإمبراطوريات تالياً. وكانت الحروب في كثير من الأحيان سبيلاً لإنشاء الدول والإمبراطوريات، مثلما كانت سبباً في سقوطها وتفككها. ولكن ما أن ظهرت الدولة قبل حوالي 5000 سنة، أخذت وتيرة النشاط العسكري في مناطق كثيرة من العالم، في الارتفاع، وأدى ظهور البارود وتسريع وتيرة التقدم التكنولوجي إلى انتعاش ظاهرة الخروج لخوض الحروب الحديثة. وقد برزت بعض القبائل والجماعات البشرية والحضارات التي اشتُهرت بثقافتها وفنونها وخصائصها الحربية التي يُنسب لها الفضل في ازدهار تلك الجماعات والحضارات على امتداد التاريخ.
وتخص المصادر التاريخية بذكرها خمس عشرة ثقافة حربية، باعتبارها الأميز تاريخياً في إظهار نزوعها الحربي الذي يشكل جزءاً لا يتجزأ من نمط حياتها، واتصافها بالبأس والقسوة لحد التوحش. يأتي في مقدمتها الآشوريون خلال ذروة صعودهم في الفترة ما بين القرنين العاشر والسابع قبل الميلاد، وامتداد نفوذهم من حدود مصر وصولاً للأراضي الإيرانية. ويضعهم كثير من المؤرخين التاريخيين على رأس القوى العظمى في العالم القديم؛ والسكينيين (Scythians)، وهم من القبائل الإيرانية التي سادت خلال الفترة ما بين القرنين السابع والثالث قبل الميلاد في السهوب الأوراسية (حاليا مناطق شمال البحر الأسود)، وقاموا بغزو القبائل الآشورية، كما وصلوا إلى مصر عام 650 قبل الميلاد. والأسبرطيون نسبة إلى أسبرطة المدينة التي هيمنت في عام 650 قبل الميلاد على المقاطعات اليونانية، فقد كان الطفل يؤخذ للتعليم والتدريب الحربي منذ أن يبلغ 6 سنوات، ويقحم في الحروب غير المنقطعة في سن 18 حتى سن الثلاثين؛ والرومان الذين مكنتهم طبيعتهم الحربية من التحول من جمهورية ذات حيِّز جغرافي محدد إلى إمبراطورية تمتد من إسبانيا حتى سوريا ومن شمال افريقيا إلى بريطانيا، واستمرت زهاء 1500 سنة وبعدد سكان شكل 21% من سكان العالم آنذاك، وبمساحة توسعت من 2.750.000 كيلومتر مربع في عام 27 قبل الميلاد إلى 5.000.000 في ذروة جبروتها في عام 117 ميلادية؛ وقبائل ال«بو» (Boii)، وهي امتداد لقبائل الغال التي سادت في العصر الحديدي المتأخر في منطقة بوهيميا (جمهورية التشيك حالياً) وبانونيا (المجر حالياً) وسيسالباين غول (شمال إيطاليا حالياً)؛ وال«لوسيتانيون» (Lusitanians)، وهؤلاء ينتمون إلى قبائل سكنت إقليم في شبه الجزيرة الإيبيرية (البرتغال الحديثة وأقاليم إسبانيا الوسطى)، واشتُهروا بتكتيكاتهم الحربية التي تحاكي تكتيكات حرب العصابات الحديثة؛ وقبائل الهون، وهم بدو آسيويون رُحّل استطاعوا في 636 ميلادية السيطرة على قلب أوروبا بأساليبهم الحربية التي وُصفت بالوحشية والبربرية؛ وقبائل فرانكس، وهي قبائل جرمانية مؤتلفة سادت في القرن الثالث الميلادي، وهذه القبائل هي التي أسست للعسكرية الألمانية التي أشادت إمبراطورية في القرن الخامس الميلادي على أراضي ألمانيا وفرنسا الحاليتين؛ والفايكنغ وهم شعوب جرمانية نوردية إسكندنافية محاربة نزلت من شمال أوروبا وسيطرت على أجزاء واسعة منها شملت بريطانيا وفرنسا في الفترة من أواخر القرن الثامن حتى القرن الحادي عشر الميلادي، كما غزوا بسفنهم جزر شمال الأطلسي وروسيا وإسطنبول والشرق الأوسط وصولا إلى بغداد، أسماهم الإيرلنديون بالغرباء، فيما أسماهم المسلمون بالمجوس؛ والنورمانديون أو النورمانيون، وهم نرويجيون خلفوا الفايكنغ واعتقدوا بنقائهم العرقي، وغزوا أجزاء من أوروبا وآسيا؛ والراجبوت وهو مسمى يعني «ابن الملك» (الخالق)، وهم قوم ظهروا في أواخر القرن التاسع الميلادي في الأقاليم الشمالية للهند خصوصا ولايات راجاستان وأوترا براديش ودلهي، وتميزوا بشدة بأسهم وطبيعتهم الحربية المتوثبة؛ والمغول الذين أشادوا أكبر الإمبراطوريات في التاريخ؛ والسموراي وهم النسخة اليابانية في العصر الإقطاعي من فرسان أوروبا وراجبوت الهند؛ والمماليك وهم خليط من الأتراك والشركس والقفجاق ذوي الأصول الكازاخية؛ والعثمانيون الذين بنوا إمبراطورية تمتد من العراق في الشرق إلى هنغاريا في الغرب.

alsayyadm@yahoo.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى