قضايا ودراسات

حلاوة الدنيا

الدراما هذا العام ليست مريضة، تعافت من علل كثيرة أصابتها في الأعوام الأخيرة، باستثناء بعض الآفات التي ترفض أن تتخلى عنها، لكنها في المقابل، حملت في طياتها الكثير من الأمراض، لتلمس جراح الناس، وتقترب منهم أكثر، وتكشف عن أسرار لم تكن تتجرأ على الاقتراب منها بهذا الشكل المفصل.
لم نر سابقاً في المسلسلات العربية مريض سرطان ونعيش معه يوميات معاناته منذ اكتشافه أنه يحمل هذا المرض، حتى مراحل العلاج، والاضطرابات النفسية، وعلاقته بأهله وجيرانه وزملائه والأصدقاء.. لم ندخل إلى عمق المعاناة كما يفعل مسلسل «حلاوة الدنيا»، الذي يقدم لنا التناقضات التي يمر بها المريض وكل المقربين منه، ومجموعة صراعات مريرة بين الألم والأمل، الدموع والضحكات، الإحباط والتفاؤل، الانكسار والإصرار.
«حلاوة الدنيا» من بين أجمل الأعمال التي تم إنتاجها هذا العام، بسيط، يستمد عنصر التشويق فيه من القصة نفسها، سلس في السيناريو والحوار (سماء عبدالخالق وإنجي القاسم)، وحتى في مشاهده ولقطاته الإخراجية اعتمد حسين المنباوي الوضوح والبساطة، ليزيد إحساس المشاهدين بواقعية الأحداث، على عكس كاميرا المخرج إسلام خيري مثلاً التي ترتعش في مسلسل «عشم إبليس»، فنشعر وكأن الكاميرا محمولة بيد مصور مرهق تصيب المشاهِد بدوار وتعب، كما تختبئ الكاميرا أحياناً خلف ستار أو تحت درج لتأخذ اللقطات بشكل سري.
العمل إنساني جداً، لا يمكنك إلا أن تتأثر وتتعاطف مع شخصياته، خصوصاً هند صبري بدور أمينة، وظافر العابدين بدور سليم وياسمين غيث بدور هبة. ثلاث شخصيات مصابة بأنواع مختلفة من السرطان، وكل منها يتعامل مع حالته بطريقته، لكنهم يجتمعون مع مرضى آخرين، ليشكلوا صداقة تساعدهم على تخطي المراحل الصعبة واستيعاب أبعاد وآثار المرض.
الجرعة الإضافية من «الإنسانية»، تكمن في أن ياسمين غيث، حفيدة النجمين الراحلين عبدالله وحمدي غيث، أصيبت بمرض السرطان قبل عام أو أكثر بقليل، وحلقت شعرها فعلاً، كما تظهر في المسلسل، وتجاوزت المحنة بمساعدة طبيب نفسي، وهبة في المسلسل تدعم فكرة الشفاء من خلال علاج الروح، بجلسات اليوغا والتأمل والأكل العضوي والصحي، والطبيعة..
صحيح أن بعض الحلقات كانت حزينة، وهو أمر طبيعي، لكنها لمست القلوب دون نواح أو مغالاة في الكآبة، ودون الغوص في سوداوية تنفر الجمهور وتبعده عن العمل. مع كل دمعة كان هناك طاقة من الأمل، وقصص رومانسية وطرافة ورسالة جميلة تصل إلينا معناها أن الحياة جميلة وعلينا أن ننعم بما لدينا، ونتخطى الصعاب بفرح، لأن الموت آت للجميع لا محال وبطرق مختلفة.
هند وظافر وأنوشكا في أجمل أداء، كذلك قدمت نهى عابدين دوراً يعتبر إضافة لها، أما ياسمين غيث فهي الأكثر تميزاً لأنها تواجه الكاميرا والجمهور لأول مرة حاملة معها مرضها وما عانته قبل أن تمتثل للشفاء مؤخراً، وهي مواجهة صعبة تحتاج لإرادة قوية وموهبة ساعدتها في أداء الدور بعفوية.

مارلين سلوم
marlynsalloum@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى