قضايا ودراسات

الأمن العربي

وسط العواصف والمتغيرات الكبيرة التي تجتاح العالم والمنطقة تزداد الحاجة إلى إعادة الاعتبار إلى منظومة الأمن العربي. ومع أن هذه المنظومة اعترتها، على الدوام، أوجه خلل متفاوتة، ولكنها ظلت لفترة طويلة محافظة على حد أدنى من التماسك في مواجهة المخاطر التي تعرّضت لها البلدان العربية.
لكن ما يجري في بلداننا العربية، وعلى الأخص منذ احتلال العراق، وبدء مسلسل انهيار الدولة الوطنية في أكثر من بلد عربي، الذي توالى بوتائر متسارعة، متتالية، في ضوء ارتدادات الزلزال الكبير الذي تمّ في 2011، أدى إلى تفكك منظومة الأمن العربي هذه، حتى بلغت ما يشبه حال العجز التام عن الوفاء بمتطلبات الحد الأدنى من الحماية أمام انكشاف العالم العربي على كم هائل من المخاطر لم يسبق له أن واجه مثلها منذ قيام الدول الوطنية العربية، خاصة في المشرق.
قد تكون دعوتنا هذه من قبيل التمنيات غير الواقعية، بالنظر للخلل الهائل في ميزان القوى اليوم لغير صالح العرب، لكنها من الجهة الأخرى، الطريق الوحيدة لإعادة بناء الصف العربي، ورسم استراتيجية مواجهة لما يجابهنا من مخاطر شتى.
مصادر هذه المخاطر واضحة وبيّنة، وفي مقدمتها الخطر الصهيوني الذي ازداد استفحالاً، حيث تحقق «إسرائيل» المكاسب تلو المكاسب، دون الحاجة إلى الدخول في حروب ومواجهات عسكرية مع العرب، كما كانت تفعل في السابق، فحال الوهن العربي يتيح لها ذلك بمنتهى السهولة.
وفيما يتصل بالخطر «الإسرائيلي» بالذات، فإن من الوهم الاعتقاد بأن «إسرائيل» ستكتفي بابتلاع كامل الأرض الفلسطينية وحدها، إذا ما قدر لها ذلك، فمشروعها قائم على التوسع وتأمين الحماية لهذا التوسع عبر الإضعاف الدائم للعالم العربي، وهو ما يتحقق لها الكثير منه اليوم، على أية حال. والخطر «الإسرائيلي» ليس هو الوحيد، وإن كان الأخطر، فتفكك منظومة الأمن العربي أغرى القوى الإقليمية بالتمادي في مد نفوذها في البلدان العربية بكافة السبل، بما فيها التدخل العسكري، إن جاء مباشرة عبر إرسال القوات إلى هذه البلدان، أو بالوكالة عبر دعم وتسليح قوى محلية لتكون روافع لنفوذ هذه القوى في العالم العربي على النحو الذي تفعله كل من إيران وتركيا، في أكثر من بلد عربي.
وليس مصادفة أن هذه الروافع المحلية تنتمي في جلّها إلى «الإسلام السياسي»، وهو تيار، بحكم تكوينه الأيديولوجي، لا يقيم الاعتبار الضروري للمسألة الوطنية، التي هي ليست ضمن أولوياته، لأنه يغلّب الانتماء الديني – المذهبي على الولاء الوطني، ما يجعله ينشد الدعم من نظيره الخارجي، الذي هو اليوم على شكل قوى إقليمية مؤثرة، حتى لو كان الثمن تفكيك الكيانات الوطنية.
د. حسن مدن
madanbahrain@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى