قضايا ودراسات

«الصدمة».. دعوة إلى الرحمة

ماذا يكون رد فعل الناس في ألمانيا، إذا رأوا صاحب مطعم يطرد عائلة محترمة راقية ويمنعها من تناول طعامها لأن المرأة محجبة، أو لأنهم من اللاجئين للبلد؟ تترقب الإجابة وأنت شديد التأثر بما تراه من ردود فعل عفوية وصادقة تسجلها كاميرا خفية. هنا، لا يمكنك إلا أن تحترم صناع برنامج «الصدمة» الذين اتخذوا من الإعلام وسيلة لنقل رسائل حياتية مهمة، ولأنهم أعادوا إلى البرامج التلفزيونية قيمتها الإنسانية.
«الصدمة» الذي عاد بجزئه الثاني، بعد الصدمة الحقيقية التي سببها للمشاهدين للمرة الأولى في رمضان الماضي، يبدو أكثر جرأة في طرح مواضيع حيوية وحساسة. في العام الماضي لم نتوقع أن تتحول الكاميرا الخفية من السخافات والمقالب المزعجة والمستفزة، إلى مقالب تمثيلية لأهداف إنسانية نبيلة، ففاجأنا البرنامج بما قدمه في الموسم الأول، وعاد للعام الثاني ليوسع دائرة نشاطه ويصور في عشر دول، فنرى اختلافاً في ردود الأفعال حول المشكلة الواحدة.
هذا الموسم، تناول «الصدمة» قضايا إنسانية- سياسية، بجانب القضايا الاجتماعية، ونقل إلى الناس سواء الذين صادفهم، أو المشاهدين، الإحساس الحقيقي الذي قد يشعر به أي إنسان إذا ما واجه الظروف الصعبة التي يواجهها اللاجئون والمعنفون والمهددون بالموت.. وضع الجميع أمام اختبار المشاعر الإنسانية، وواجهنا بحقائق مرّة من بينها، أن «النخوة» بدأت تتضاءل وسط فوضى حياتنا، والمشاعر تبلّدت فصار الدفاع عن المظلوم أقل مما كان عليه بالماضي، ولو في قضايا بسيطة غير معقدة ووسط عشرات الناس. فليس سهلاً أن تمضي في بعض الأماكن أكثر من ثلاث ساعات من التصوير، دون أن يتوقف فيها أحد لمساعدة صاحب المشكلة والذي يؤدي دوراً متفقاً عليه مع فريق البرنامج.
ليست كل الحلقات كاشفة لمدى إصابة مجتمعاتنا بالجفاء، ولا كل القضايا شديدة المأساوية، لكنها كلها على درجة عالية من الاحترام للإنسان وللمشاهد وللأخلاق، وكلها تصب في هدف واحد، «الدعوة إلى الرحمة».
يبلغ البرنامج من الجرأة حد أن يتطرق إلى فكرة العنف والتمييز العنصري والفتن الطائفية.. من خلال مشاهد تمثيلية تضع الضحية في مواقف مشابهة لتلك التي يتعرض لها ضحايا حقيقيون في دول عربية وغربية. صحيح أن البرنامج يقسو إلى حد ما على من يقعون في شباك كاميرته الخفية، لكن هذه القسوة ينجم عنها استفزاز للمشاعر الإنسانية، وينجم عنها تحريض على نبذ العنف والسعي إلى التحرك من أي موقع كنا فيه، كما تستفز الضمائر لتصحو، وتكشف جوانب لا نراها حقيقة في نشرات الأخبار والتوك شو، عن تفاعل الشعوب المختلفة مع الفكر العنصري، لذا تعتبر مثلاً حلقة «التعامل مع اللاجئين» مهمة جداً.
أكثر من حلقة تتناول الأم والطفل، تذرف وأنت تشاهدها الدموع بينما هناك من يمر بجانب المشهد ويكمل طريقه. البرنامج يستحق المشاهدة، ونتمنى أن تكون كل كاميرا خفية ذات أهداف نبيلة لا سخيفة.
مارلين سلوم
marlynsalloum@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى