قضايا ودراسات

التاريخ قابل للتكرار

الفيلسوف الألماني هيجل هو القائل «إن كل الأحداث الكبرى والشخصيات التاريخية تتكرَّر مرَّتين»، وحين وقف مواطنه كارل ماركس أمام هذه العبارة قال إن هيجل نسي أنْ يضيف أن هذه الأحداث والشخصيات حين تكرر نفسها مرتين، فإنها تظهر في المرَّة الأولى في شكل مأساة، وفي المرَّة الثانية تظهر في شكل مهزلة.

أياً كان الأمر، فإن الواقعة التاريخية نفسها لا يمكن أن تعود أو تستعاد كما وقعت أول مرة، فما حدث قد حدث، وإن تكرر فإننا نكون بصدد واقعة جديدة، لها ملابساتها الخاصة بها، حتى وإن تشابهت في الظاهر والمظاهر مع واقعة سابقة.
وما يقال عن الوقائع يصح على الشخصيات، فالشخصية التاريخية، أو التي أصبحت تاريخية بالأحرى، لا يمكن أن تستنسخ منها شخصية مماثلة، حتى وإن ظهرت شخصية مماثلة تحمل من السمات وتؤدي من الأدوار ما سبق أن أدته شخصية أخرى سابقة، أصبحت هي وأدوارها في ذمة التاريخ.
بعد هذا الشرح الموجز تبدو العبارة التي عنونا بها الحديث عن أن التاريخ قابل للتكرار محل مساءلة أو شك، فكيف يصح أن يكون التاريخ قابلاً للتكرار طالما هو لا يفعل ذلك إلا في صورة مهزلة؟ هذا ما نحن بصدد الحديث عنه، حين نجد أنفسنا شهوداً على انبعاث ظواهر كنا نحسبها باتت ماضياً، فإذا بها تطل برأسها من جديد، مظهرة القدرة على الحياة مجدداً، ولو أردنا سوق مثال على ذلك يمكننا الإشارة إلى الظهور «المتجدد» للجماعات الفاشية والنازية في العديد من بلدان القارة الأوروبية، كحال اليمين المتطرف الذي يتقدم في الانتخابات النيابية والرئاسية في أكثر من بلد أوروبي، حتى أنه كاد أن يصل إلى سدة الحكم فيها، وليس مستبعداً أن يتحقق له ذلك في المستقبل الذي قد لا يكون بعيداً.
عربياً وإسلامياً، كيف يمكن لنا تفسير ظهور تنظيمات دموية تكفيرية، تحاكي نظائر لها في تاريخنا، اقترفت من الجرائم ما تقترفه «داعش» وغيرها من تنظيمات التطرف من فظائع وبنفس أساليب التوحش التي تمارس اليوم من قبلها في العراق وسوريا وغيرهما؟ هل يضع هذا فكرة المسار«التقدمي» للتاريخ نفسها على المحك، حين جرى الركون إلى أن التاريخ ذاهب صعوداً نحو المستقبل بانتصار التقدم على التوحش، والحضارة على الهمجية، وأن لا عودة للوراء أبداً، أم يظهر أن هذه مظاهر مخاض دموي قاسٍ وعنيف تمر به الأمم حتى تلد المستقبل الحر من كل هذا؟ الأرجح أن الماضي قابل للتكرار، ما لم يجر الاتعاظ من دروسه المريرة، للحيلولة دون أن تعود أسود الصفحات فيه، وعلى شكل مأساة أيضاً، لا مهزلة.
د. حسن مدن
madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى