قضايا ودراسات

الهند قوة عظمى في منتصف المرحلة

إيمانويل والرشتاين

الهند «قوة عظمى»، بكل ما في الكلمة من معنى، لكنها لم تتبوأ المكانة التي تستحقها حتى الآن، فهل لذلك من سبب؟
لديَّ انطباع بأن الهند، من بين كل «القوى العظمى» في النظام العالمي المعاصر، كيفما يعرّف المرء «القوى العظمى»، هي الوحيدة التي تحظى بأقل قدر من الاهتمام. وأنا أعترف بأن ذلك يصحُّ عليَّ، ولكنه يصحُّ أيضاً على معظم المحللين الجيوسياسيّين.
فما هو الداعي إلى ذلك؟ الهند في حقيقة الأمر، تقترب بسرعة من النقطة التي ستكون فيها ذات أكبر عدد سكان في العالم. وهي ذات مستوى عال بشكل محترم في كل مقاييس القوة الاقتصادية، وهي تتحسن طوال الوقت. إنها قوة نووية ولديْها قوات مسلحة من أضخم القوات في العالم. وهي عضو في مجموعة الدول العشرين، ما يعتبر علامة الموافقة على كونها قوة عظمى. ومع ذلك فإنها ليست عضواً في مجموعة الدول السبع، التي هي مجموعة أكثر حصرية، وأكثر أهمية بكثير.
وهي إحدى الدول الخمس التي تعرف باسم مجموعة «بريكس»: البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب إفريقيا؛ لكن مجموعة «بريكس»، القوة الصاعدة للاقتصادات «الناشئة» في بداية القرن الجديد، قد تراجعت الآن في الأهمية الجيوسياسية؛ حيث إن اقتصاداتها، باستثناء الصين قد أضعِفت فجأة بشكل جذري منذ هبوط ما بعد 2008 في الاقتصاد العالمي. وهي، مع الصين وروسيا، لكن مع باكستان أيضاً، في منظمة شنجهاي للتعاون؛ لكن هذا الكيان لم يبْدُ أنه سيصبح قطُّ قوة كبرى في السياسة العالمية.
وحكومات الهند، بصرف النظر عن الحزب الموجود في السلطة، أنفقت الكثير من الطاقة في السعي إلى لعب دور أكبر في النظام العالمي. وعلى وجه الخصوص، سعت إلى نيل التأييد من قوى أخرى في نزاع الهند الطويل الأمد مع باكستان حول كشمير. ولم يبدُ أبداً أنها ستحقق هذا الهدف.
وفي أيام الحرب الباردة، كانت الهند محايدة رسمياً، وأقرب إلى روسيا في واقع الأمر.
ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي، حاولت الهند تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة؛ لكن ما كسبته من ناحية الدعم الأمريكي، خسرته من ناحية السياسة الصينية. وقد كان للصين نزاعات عسكرية خطرة مع الهند على الأراضي، وهي غاضبة من استضافة الهند للدلاي لاما.
والهند دولة نادرة في آسيا؛ حيث تمتلك نظاماً برلمانياً فاعلاً، مع تحوّلات في القوة الانتخابية بين حزب المؤتمر (وارث حركة الاستقلال) وحزب بهاراتيا جناتا (وهو حركة قومية هندوسية يمينية). وهذه الحقيقة تحظى باستحسان منتظم من قبل المحللين والزعماء السياسيين في جميع البلدان الأوروبية؛ لكن ذلك لا يبدو أنه يعني أن تلك الدول تؤيد مطالبات الهند باعتراف أكبر بأي درجة مهمة.
وثمة سؤال ينبغي على المرء أن يطرحه، «مَن يحتاج الهند حقاً؟». إنّ الولايات المتحدة، ولا سيما منذ تولي دونالد ترامب زمام السلطة، تريد من الهند أن تشتري منها المزيد، دون أن تستثمر الكثير في المقابل. والواقع أن عودة المتخصصين في تكنولوجيا الإنترنت الهنود، حالياً إلى الهند من الولايات المتحدة (وغيرها من الدول الغربية) تهدّد الولايات المتحدة بخسارة كبيرة في الوظائف في أحد القطاعات القليلة، التي تبلي فيها الولايات المتحدة بلاء حسناً حتى الآن.
وهل تحتاج الصين إلى الهند؟ بطبيعة الحال، ترغب الصين في الحصول على دعم الهند في أيّ من شجاراتها مع الولايات المتحدة؛ لكن الهند منافس على دعم الدول في جنوب شرق آسيا، لا شريك في تنميتها. وروسيا يمكن أن تستخدم الدعم الهندي في قضايا الشرق الأوسط، ولكن الهند مترددة في منح الكثير من الدعم، حتى عندما تتفقان بصورة أساسية على مسائل تخصّ، على سبيل المثال، أفغانستان، خوفاً من استعداء الولايات المتحدة. وتعتقد دول جنوب شرق آسيا أن التوصل إلى اتفاق مع الصين، سيكون أجدى نفعاً من الاتفاق مع الهند.
المشكلة، بوضوح، هي أن الهند دولة «في منتصف مرحلة». فهي قوية بما فيه الكفاية؛ لأن يأخذها الآخرون بعين الاعتبار؛ ولكنها ليست قوية بما يكفي للعب دور حاسم.

عالم اجتماع أمريكي، ومحلل أنظمة عالمية موقع: زِد كوم.


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى