قضايا ودراسات

عبقرية المكان بلا استراتيجية

عبد اللطيف الزبيدي
أم كلثوم أشهر من جمال حمدان. لهذا يسهل على الناس استيعاب «مصر تتحدث عن نفسها»، لا كتاب «شخصية مصر». النافوخ العربي يؤثر الطرب على صداع الأمن القومي العربي، وضرورة استعادة مصر دورها، للم الشتات، ولملمة المبعثرات.
لكن شاعر النيل جعل السيدة تشدو بالاستراتيجية التي لا يفك ألغازها إلا جمال حمدان للنظام العربي. لكن الأخير يعرف بماذا يجيب إذا قيل له: اقرأ، فلا قراءة ولا استقراء. يقول الرومي: «العصا في يد الأعمى أولى من القنديل».
سنلخص الأجزاء الأربعة والأغنية في الجمع بين العنوانين: «مصر تتحدث عن شخصية مصر»، مع نغمية تراجيدية، مفعمة باللوعة الحماسية: «أنا إن قدر الإله مماتي.. لن ترى الشرق يرفع الرأس بعدي». تلك هي الهوة بين ما هو كائن، وبين ما يجب أن يكون. هذا البيت أروع تلخيص للأجزاء الأربعة. القلم يتمنى ألا تُقبل في مصر حقيبة وزير ولا مقعد نائب في مجلس الشعب، إلا بعد ثبوت الإلمام الكامل بمؤلفات جمال حمدان.
بحثه العميق في «عبقرية المكان»، يكشف أهمية «استراتيجية المكان»، فليس ثمة مرض عضال لازم العالم العربي، وأصاب منظومة خلاياه العصبية بعدم التواصل والتشابك الإيجابي في العمل المشترك، غير إهمال محورية الأمن القومي العربي، الذي جر إسقاطه من الحسابات المصيرية، التفكك الشامل.القوى الطامعة تعامل العرب كعالم عربي، وتنظر إلى بلدانهم كخريطة واحدة يجب تمزيقها وجعلها لعبة «بازل» غير قابلة لإعادة التركيب، في حين أن العرب يرون أنفسهم أرخبيل جزر متناثرة متنافرة. السذاجة التي سطت على الذكاء العام لم تكن تلقائية، فقد كانت خطة متكاملة. حتى في مستوى الفيروسات وذوات الخلية الواحدة، يحتل الأمن المرتبة الأولى، تتدرج وسائل تأمينه وتتطور مع الارتقاء في سلم المخلوقات إلى الثدييات العليا.هل يُعقل أن يتوقف إدراك أهمية الأمن الجماعي عند العرب؟ هل نعود إلى الابتدائية لشرح استراتيجيات الأمن القومي العربي بالبيت الشهير: «تأبى العصي إذا اجتمعن تكسرا… »؟ تهشماً، تحطماً، تفتتاً، تشتتاً، تشظياً، تلظياً.
لقد قال أكثر من عربي: «أنا أولاً»، وثبت بطلان المقولة. برهنت حادثات السنين على أن جمال حمدان كان ولا يزال وسيظل على حق، فلا سبيل إلى اعتداد مصر بشخصيتها، إلّا إذا أعادت النظر جذرياً في دورها كمركز جاذبية يعيد إليها مركزيتها في الأمن القومي العربي، فتعود إلى العرب القدرة على العودة إلى المسرح.
لزوم ما يلزم: النتيجة الثقافية: إذا لم نتفكر في مؤلفات جمال حمدان، فسوف يجعلنا ابن كثير ملحقاً لكتابه: «البداية والنهاية».

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى