قضايا ودراسات

الفن يواجه الإرهاب

د. مصطفى الفقي
قالوا إن الموسيقى هي اللغة العالمية الأولى، وقال آخرون إن الفن هو صناعة الحياة، مثلما هو الإرهاب صناعة الموت، ومثلما هو العنف لغة التطرف، ولهجة الدمار، لذلك فإن الإنسان المعاصر – في مواجهة الجرائم الإرهابية والأفعال الدموية والتصرفات غير الإنسانية – يجد نفسه في اتجاه تلقائي نحو كل ما يرقى بالحس البشرى، والمشاعر النبيلة، ولعل وظيفة الفن الأولى هي الارتقاء بالذوق العام، والارتفاع بالمجتمعات نحو مدارج تسمو كثيرًا فوق صراعات الحياة، ومشكلاتها اليومية، فلا يمكن لإرهابي أن يتذوق الموسيقى، كما يستحيل أن يكون هناك فنان أصيل يتحول إلى متطرف يؤمن بالعنف، ويبرر القتل، ويقف في عداء واضح مع الإنسان والإنسانية، وضد البشر، والحضارة، ولقد أدهشني كثيرًا منذ أعوام عدة، أن صديقًا كان يؤلف قطعًا موسيقية عالمية، وأصبح اسماً معترفاً به في دول أخرى، حتى أن السويد أقامت له تكريماً خاصاً، ولكن فوجئت به منذ سنوات وهو يمضي في طريق لا يخلو من الغلو، والانخراط في سلك العداء للعصر، ومقتنياته، في ظل دعاوى دينية لا تعتمد على صحيح الإسلام، ولا سند لها من الحق والحقيقة.
وبقدر ما كان ذلك النموذج يؤرقني، فإن نموذج الضابط الحر ثروت عكاشة، وزير الثقافة الأسبق الذي شغل مناصب رفيعة، وأشرف على أكبر عملية لنقل الآثار في التاريخ، هو نموذج يدعو للانبهار، ويبدو أن الحس الإنساني لا يتجزأ، وأن المشاعر الراقية لها جينات خاصة. فكلما التقيت بالصديق الدكتور أحمد عكاشة عالم الطب النفسي العالمي، تذكرت أخاه الأكبر ذلك الفنان عالي القدر رفيع الشأن الذي عاصرته وتحدثت إليه وتعاملت معه، وكان يبهرني أن يكون ابن الحياة العسكرية نموذجاً فريداً في تذوق الفنون التشكيلية والموسيقية والغنائية، مع احترام للآخر وإعلاءٍ لشأنه، نعم.. لقد كان ثروت عكاشة ثروة قومية حقيقية، وما زلت أتذكره وهو يطلب مني بعض الصور التاريخية من المتحف الكبير في فيينا ليؤرخ لها، ويضيف إلى وجودها متعة المعرفة، مع وجود رغبة صادقة في الالتزام بالحق والحقيقة والولاء للمعرفة، فإذا تطلعنا جنوباً بعيداً عن حوض البحر المتوسط وحضاراته، لننظر إلى الجنوب وما يليه من أرض إفريقية بثقافات ثرية ومتعددة، لو فعلنا ذلك لاكتشفنا أن الكلمة أمضى سلاح ضد التطرف والتعنت والتشدد، ويهمني هنا أن أسجل الملاحظات الآتية:
أولًا: إن نظرتنا إلى الفن لا تزال دون المستوى، بدليل أننا ننظر إلى الفنون باعتبارها عملًا هامشيًا تقوم به وزارة الثقافة، ومن خلفها الإعلام والتعليم، بينما الأصل هو أن يكون الحدث الثقافي والقائمون عليه في مقدمة من يتفاخرون بما جرى، لأن أغلى سلعة تصدرها مصر هي السلعة الثقافية، وقد جاء حين من الدهر على الثقافة المصرية ازدهرت فيه وقادت المجتمع إلى الأفضل، ثم انتكست تلك الثقافة بفعل أحداث كثيرة، ونتيجة لأسباب متعددة. وإذا كانت وظيفة الفنون تثقيفية وترفيهية إلا أن أقدم ما في رسالة الإنسان على الأرض هي بصماته على مسرح الفنون، مهما كانت التداعيات والظروف. دعنا نتذكر المسرح الروماني على شاطئ المتوسط.
ثانياً: إن المصري القديم عرف الإبداع، وعشق الفنون، وسجل على جدران المعابد الآلات الموسيقية الفريدة، والرقصات الشعبية الشائعة، كما أن التراث الحضاري المصري يحمل في جوهره أرقى الفنون، وأكثرها تأثيراً في حياة المصريين وطقوسهم اليومية، بل إن الديانات التي عرفتها مصر عبر تاريخها قد اتخذت من الفن أداة للترتيل أحياناً، والغناء أحياناً أخرى، حتى تصل إلى مشاعر الناس رسائل الإيمان ومفاهيم الرسالة الدينية، وأنا أدعو الآن إلى نهضة فنية شاملة تعيد إلى الأذهان أمجاد الفن المصري، وتدفع به إلى موقعه الطبيعي.
وإذا كان البعض يرى أنه قد تراجع بتأثير تقدم الآخرين، وحيازتهم لإمكانات مادية قد لا تكون متاحة لدينا، إلا أن الروح المصرية تملك وجداناً خاصاً يستطيع أن يلهم الآخرين مذاقاً خاصاً، يجعل من الثقافة المصرية سلعة غالية نمضي في تصديرها إلى الخارج كالعهد بها منذ مئات السنين، وعلى الجميع أن يتذكروا أن الأزهر الشريف ذاته كان مصدراً لعشرات الفنانين الكبار، من أمثال الشيوخ سلامة حجازي، وسيد درويش، وزكريا أحمد، وسيد مكاوي، وغيرهم من أساطين الفن المصري الرائع.
ثالثاً: إن الموجات الإرهابية التي يعانيها العالم تحتاج إلى قوة ناعمة معادلة لذلك التيار الغاشم الذي يعادي الإنسان، ويحاول أن ينال من وجوده، فيقتل ويذبح بدلًا من أن يغني ويطرب، وعندما قال الشاعر (أعطني الناي وغنّ فالغنا سر الوجود) لم يكن مجافيًا للحقيقة ولا مبالغاً في التوصيف، إذ إن الأصل في الإنسان هو الإيقاع المنتظم، والطرب الراقي الذي يصل إلى مراتب عليا من الصفاء النفسي، والسمو الروحي، بل إن الحركة الوطنية في معظم دول العالم كانت مدعومة بالفنون التي جعلتها تقف في صلابة أمام التحديات، والمعوقات، والمصاعب، إن جزءا كبيراً من صناعة العصر الناصري – على سبيل المثال – تمثلت في الدعم الفني الذي تلقاه الرئيس الراحل، وظهور أصوات ارتبطت به وبثورته، ولنتذكر أعيادها كل عام وصوت عبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، وعبد الوهاب، وغيرهم من رموز الفن المصري في القرن العشرين.
إنني أهدف من هذه السطور أن أقول لكل ذي بصيرة، إن الفن هو ملاذنا في مواجهة ما نرى من بشاعة وانحطاط، وما يحيط بنا من جرائم وإحباطات. فلنمض على الطريق الذي لا بديل عنه، وهو إحياء القوى الناعمة لبلدنا العريق، وفي مقدمتها الفنون بأنواعها، والموسيقى في مقدمتها.Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى