قضايا ودراسات

جذور غياب البحث العلمي

عبد اللطيف الزبيدي
هل للميراث الثقافي أثر في غياب البحث العلمي؟ العودة إلى الجذور ضرورية. لا يمكن فصل العصر الجاهلي عن عمل الدماغ في العصور التالية. لقد انبنى العقل العربي على الشعر، ديوان العرب أي مكتبتهم، وطبيعته الارتجال والسليقة والفردية وسيطرة العواطف على التفكير والسلوك. ثمة استثناءات كحوليات النابغة، منهجها نواة للبحث العلمي، بالمراجعة والنقد والتحليل والوصول إلى الأفضل. هندسة القصيدة ظلت مؤثرة حتى عصرنا، أحمد شوقي نموذجا في الاستهلال الغزلي والتخلص.
حين انطلق العمل المعجمي، بدأ التجميع بالاعتماد على الرواية من غير روية ولا منهجية. لهذا نرى قواميسنا تعج بآلاف الأخطاء التأصيلية وعدم تحديد المعنى، ووقع اللغويون في الاشتقاق بالإكراه، وتكرار أوهام السابقين. أخذ التجميع لاحقاً طابع الموسوعية (الأغاني، الحيوان، صبح الأعشى، العقد الفريد…) ولكنه ظل خلوا من التحقيق، ما جعل نقادا معاصرين يلجأون إلى طرافة التعليل بأن التجميع يرجع إلى كثرة استخدام واو العطف في القصيدة الجاهلية، بالرغم من اختلاف الموضوع: ورب كذا، ومن يفعل كذا، ومن لم يفعل كذا… إضافة إلى كثرة استعمال «كأن» (عدم الدقة) في الشعر التأسيسي للقرون التالية.
ابن خلدون كان نقلة نوعية في البحث العلمي، ولكنه انجرف إلى «منهجية» التجميع لا إرادياً في المقدمة، فحشر خرافات السحرة وألواناً من الزجل في كتاب أسس لعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ. لقد لقي عبدالرحمن أصداء، عربياً وعالمياً، بلا نظير، لكن من اللازم بت الباحثين في كتاب د. محمود إسماعيل: «نهاية أسطورة: نظريات ابن خلدون مقتبسة من رسائل إخوان الصفا». الثقافة العربية تنقصها المجاهر الدقيقة.
من الشطط الحكم على مقاييس القدامى بمعايير اليوم. لكن يجب إعداد تصور لما حال دون الانتقال من التجميع إلى البحث العلمي، من الاعتماد على الرواية إلى تأسيس العقل الناقد فكراً وفلسفة. ظلت هذه الظاهرة مستمرة متسمرة إلى يومنا هذا. من هم فلاسفتنا وما هو تأثيرهم في حياتنا؟ الماضي ليس ماضياً، بدليل انعدام أي فكر رائد توقع الانهيارات، أو عقل ناقد باحث ساعد على إدارة الأزمات. كيف لنا أن نواجه هاتين الإشكاليتين: في القديم لم تظهر كتب فكرية فلسفية تنويرية تغييرية تتناول الحياة العامة تأسيسياً، وكان الشعر هو الملجأ (المعري نموذجاً). وفي العصر الحديث ظهر الكثير، ولكنه لم يتحول إلى اقتناع عام فعال، ولم تظهر دلائل على أن النظام العربي مكترث لذلك. الواقع شاهد.
لزوم ما يلزم: النتيجة التربوية: من الصعب أن تفكر في شيء نشأتَ على أن غيرك، غيباً أو حضوراً، هو المسؤول عنه.
abuzzabaed@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى