قضايا ودراسات

تطور مهم في مصير الفرنسيين العرب

فيصل جلول
على الرغم من الانهيار الكبير الذي أصاب الأحزاب الفرنسية التقليدية في الدورة الثانية من الانتخابات البرلمانية في 18 يونيو/حزيران الجاري، وعلى الرغم من سقوط أقطاب معروفين في هذه الانتخابات ومن بينهم الأمين العام للحزب الاشتراكي الفرنسي، ومرشح الحزب للرئاسيات، فضلاً عن غياب شخصيات أساسية عن البرلمان الجديد، وانحياز شخصيات أخرى إلى حزب الرئيس إيمانويل ماكرون، فإن حدثاً وقع في دائرة ايفري الانتخابية استأثر باهتمام خاص من وسائل الإعلام الفرنسية، ذلك أن رئيس الوزراء السابق مانويل فالس خاض تنافساً حاداً مع المرشحة فريدة العمراني أعلن في نهايته عن فوزه بمقعد الدائرة بفارق 135 صوتاً الأمر الذي أثار غضب العمراني، فأعلنت هي الأخرى فوزها، معتبرة أن تزويراً وقع في أحد الصناديق وأنها لا تعترف بنتيجة التصويت وبالتالي ستقدم طعناً لدى القضاء وستطالب بإحصاء الأصوات من جديد في مبنى المحافظة، لأن بلدية المدينة رفضت السماح بإعادة حسابها، وستطالب بالتالي بإعادة الاقتراع على المقعد النيابي في هذه الدائرة.
ترشحت العمراني ذات الأصل المغربي باسم تيار «فرنسا الأبية» الذي يتزعمه جان لوك ميلنشون، وهي شيوعية سابقة ونقابية معروفة، لكنها كانت شبه مجهولة على الصعيد الوطني، قبل أن تضع رئيس الوزراء السابق على حافة خسارة مقعده البرلماني، وهو الذي كان ينافس قبل شهور على رئاسة الجمهورية وكان يعد قطباً قوياً للغاية في الحزب الاشتراكي الفرنسي.
بروز العمراني هو امتداد لظاهرة آخذة في الاتساع في فرنسا تطال الفرنسيين من أصول عربية وبخاصة من بلدان شمال إفريقيا، فقد شهدت هذه الانتخابات ترشح شخصيات مهمة من بينها نجاة فالو بلقاسم الوزيرة التي لم تغادر الحكومة طوال ولاية فرنسوا هولاند، وكانت من قبل الناطقة الرسمية باسم حملته الرئاسية وأيضاً باسم الحملة الرئاسية لزوجته السابقة سيجولين رويال عام 2007. ومن بين الوجوه البارزة أيضاً مريم الخمري وزيرة العمل التي لم يحالفها الحظ، كما لم يحالف بلقاسم غير أنه حالف منير محجوبي وهو وزير في الحكومة الراهنة وأحد أقطاب حركة «الجمهورية إلى الأمام» التي رشحت العديد من الوجوه من أصول عربية أيضا.
ويلاحظ وجود هذه الوجوه في كل التيارات السياسية الفرنسية بما في ذلك الجبهة الوطنية المتطرفة التي كاد يترأسها فرانسوا جلخ وهو فرنسي من أصول لبنانية اتهم بأقوال عنصرية، في حين ما زالت رشيدة داتي الوزيرة السابقة في عهد الرئيس نيكولا ساركوزي نجمة لامعة من نجوم التيار الديجولي.
هذه الظاهرة الممتدة إلى المجال السياسي، كانت قد لوحظت بداية في المجال الرياضي وبخاصة في كرة القدم حيث لمع كثيرون من أصول عربية والأشهر بينهم زين الدين زيدان الذي قاد فرنسا إلى الفوز بكأس العالم عام 1998 وإلى الوصول إلى النهائيات عام 2006 ومن بين الذين ساروا على رسمه نلاحظ اليوم كريم بن زيمة. كما لوحظت هذه الظاهرة في التعليم الجامعي ووسائل الإعلام والسينما والمسرح والمحاماة وقطاع الأعمال ولكنها متفاوتة بين مجال وآخر.
والواضح أن اتساع حضور الفرنسيين من أصول عربية في التمثيل السياسي، هو انعكاس لحضورهم في المجالات الأخرى، وهذا يعني أن أبناء المهاجرين العرب المجنسين، أو أحفادهم قطعوا شوطاً مهماً على طريق الاندماج الذي طالما طالب أسلافهم به، في ثمانينات القرن الماضي عبر مسيرات وتحركات شهيرة وما برح يطالب به آخرون.
والواضح أيضاً أن الاندماج الذي فرض ويفرض نفسه هو الطريق الوحيد لحل مشكلة المعازل الاجتماعية في ضواحي باريس ومدن أخرى، فرضت على المهاجرين أو الفرنسيين من أصول عربية حتى صارت تشكل خطراً جدياً على السلام الاجتماعي في فرنسا. فقد خرج منها مئات «الإرهابيين» للقتال في سوريا والعراق وأفغانستان، وعاد بعضهم إلى فرنسا وأوروبا ليفجر نفسه في حشود عامة أو ضد رجال الشرطة والجيش، ناهيك عن ارتفاع نسبة الجنوح في صفوفهم وكثرة البطالة وذلك كله يؤدي إلى تكوين بيئة ملائمة للتمرد وعصية على الضبط والاندماج.
إن اتساع حضور أبناء العرب والأجانب الأفارقة في التمثيل السياسي يؤشر إلى قناعة باتت راسخة لدى الجميع مضمونها أن هذه الفئات الشابة والحيوية في المجتمع الفرنسي تحتاج إلى تمثيل اندماجي يتيح أمثلة حافزة وجديرة بالاتباع بدلاً من الأمثلة الأخرى السيئة في التمرد والجنوح.
بالمقابل يبدو أن أقطاباً ودوائر قرار أساسية في الحياة السياسية الفرنسية باتت تدرك أكثر من أي وقت مضى أن مشكلة أكثر من سبعة ملايين فرنسي من أصول عربية وإفريقية في فرنسا لا يمكن أن تحل بالمزيد من الانغلاق والتمييز الضمني وبالتالي لا بد من كسر حدود المعازل وقطع الطريق على محاولات شتى من الخارج لتأطير غضب الناس وتجنيدهم في مشاريع مضادة لهم ولمحيطهم.
قد تكون ظاهرة التمثيل السياسي الواسع للفرنسيين من أصول عربية اعترافاً بحق لطالما دافع عنه أسلافهم وبالتالي خطوة لا عودة عنها في كسر الطوق عن معازل تحمل مخاطر جمة على نفسها وعلى محيطها.

baridchama@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى