قضايا ودراسات

نموذجان لإرهاب الكراهية

مفتاح شعيب
حادثة دهس مصلين أمام مسجد فينسبري بارك بلندن، واحدة من الأعمال الإرهابية التي تهز العالم يومياً، ولكنها تقدم دليلاً إضافياً على أن التطرف ليس حكراً على أمة أو دين، وإنما هو فكر منحرف عابر للأمم والأديان والحدود، وتعتنقه فئات ضالة يجب ألا تتمكن من تحقيق أهدافها مهما فعلت.
الشهادات الموثقة لجريمة لندن تؤكد أن منفذ الدهس بسيارة كان يصرخ «أريد قتل كل المسلمين»، ما أوحى للمحققين بأن العملية جريمة كراهية ارتكبها شخص عنصري، في حين أدانت السلطات الرسمية بشدة استهداف المسلمين، واعتبرت رئيس الوزراء تيريزا ماي أن هذا العمل «يذكر بأن الإرهاب والتطرف والكراهية قد تتخذ أشكالاً عدة وأن عزمنا على التعاطي معها يجب أن يكون هو ذاته، أياً كان المسؤول»، وهذا الموقف السياسي شجاع وحاول أن ينصف الضحايا من خلال المساواة بين هذا الاعتداء وغيره من الاعتداءات الإرهابية التي عرفتها بريطانيا في الفترة الأخيرة ونفذتها جماعات متشددة خرجت من أوساط إسلامية.
صحيح أن هذا الهجوم، الذي نفذه إرهابي على مسلمين لم يخلف ضحايا مثل هجمات «داعش» الإرهابية في بلدان غربية، ولكنه لا يقل عنها سوءاً، ونتائجه قد تكون كارثية في المدى البعيد على قيم التسامح واحترام حقوق الإنسان التي تحاول أغلبية الأوروبيين الانتصار لها في وجه الأفكار اليمينية المتطرفة الداعية إلى كراهية الآخر واستهدافه. ومن الواضح أن الصراع بين هذين التيارين عاد بقوة لصالح الأول، ولكن مع الحذر الشديد، فكلما اتسعت دائرة الانفتاح ازداد المنغلقون على أنفسهم خطورة وارتكبوا أبشع الجرائم بأقذر الأسلحة، وهو ما يحدث بين فترة وأخرى، وأحياناً من دون تغطية إعلامية أو ردود فعل سياسية.
من واشنطن تأتي واحدة من هذه الجرائم، فقد تم الاعتداء بالضرب حتى الموت على شابة من أصل مصري (17 عاماً) لدى خروجها من الصلاة ليلاً في مسجد بإحدى ضواحي العاصمة الأمريكية، وبحركة حاقدة قام الجناة بإلقاء جثة الضحية «نابرا حسنين» في بركة مياه. وفي حين تؤكد الشهادات أن الجريمة إرهابية وواحدة من ظواهر «الإسلاموفوبيا» المتنامية في الولايات المتحدة، تصر سلطات التحقيق على التعامل مع الحادثة جنائياً بعد إفراغها من شحنة الكراهية المؤكدة، رغم أن أمثال هذا الاعتداء عديدة في الولايات المتحدة وضحاياها مسلمون بالدرجة الأولى، ولكن قلما تحظى بالتغطية والتضامن. وفي الموقف العام لا يمكن الفصل بين منفذ الاعتداء على المسجد في لندن والشاب الأمريكي الذي استباح حرمة مسجد آخر في واشنطن سوى أنها يصدران عن عقيدة عنصرية واحدة تستهدف المسلمين وتعمل على اتهامهم بما لم يرتكبوه، ويوجد هذا الخطاب لدى بعض المتطرفين في الأحزاب الفاشية المتطرفة، بينما تتغاضى عنه بعض الأجهزة الرسمية لحسابات تتعلق بموجبات الأمن، أو لأسباب سياسية خدمة لبعض الأطراف.
توصف «الإسلاموفوبيا» وجرائمها على أنها ردود أفعال على الجرائم الإرهابية المحسوبة على أطراف «مسلمة»، ولكن هذه الأعمال قد تستدعي ردود فعل مضادة، وهو ما يلحق الضرر بمكافحة التطرف، ويستدعي إعادة النظر في كثير من السياسيات وضبط المقاربات، فمن شروط الحرب على الإرهاب أن تجابه التطرف أياً كان لونه ودينه بنفس الإجراءات، وحينها فقط يمكن لهذه الحملة العالمية أن تنجح وتحقق شروط أهداف الأمن والتعايش والتقارب بين الأمم والأديان.

chouaibmeftah@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى