قضايا ودراسات

لولا اكتشاف أمريكا

ثمة أمر مهم يجري إغفاله، أو لا يولى الأهمية الكبرى التي كانت له، في غمرة انبهارنا بأوروبا وتقدمها واستقرارها وبتجاوزها لما كانت عليه من حروب أهلية، لم تكن، بالمناسبة، أقل دموية وبشاعة من حروبنا الراهنة، ولم تكن أيضاً حرة من الطابع الديني – المذهبي الذي يغلف حروبنا.
هذا الأمر هو اكتشاف أمريكا كعامل حاسم في «تصريف» المشاكل التي كانت أوروبا تعاني منها، ف «العالم الجديد»، بما كان في باطنه من ثروات هائلة، استوعب ملايين البشر من أبناء الشعوب الأوروبية، كان عليهم لولاه أن يبقوا فيها، لتصبح القارة بذلك لا تختلف عن أي قارة أخرى من حيث الاكتظاظ بالسكان، وتعاني من ندرة الثروات، مهما كانت ثرية، إذا ما قيست بالعدد الهائل لهؤلاء السكان، على النحو الذي نشاهده اليوم في البلدان الفقيرة في القارات الأخرى.
الدارسون للتاريخ يعرفون أن الفئات الأكثر تهميشاً وعوزاً في القارة الأوروبية هي التي غامرت بقطع المحيط الأطلسي نحو العالم الجديد، بحثاً عن حياة أفضل، وأن هذه العملية استغرقت نحو قرنين ونصف، بدأت بالإبادة الجماعية البشعة لقبائل السكان الأصليين هناك على أيادي «الغزاة» البيض الذين تصرفوا على أنهم أصحاب الأرض الجدد، التي يجب ألا تتسع لسواهم، حتى لو كان هؤلاء سكانها الأصليين.
يدعونا الدكتور جورج قرم في أحد مؤلفاته أن نتخيل، ولو للحظة واحدة، ماذا ستكون عليه بلدان أوروبا فيما لو أن تلك الملايين من المهاجرين لم تهاجر إلى أمريكا الشمالية وكذلك إلى أمريكا الجنوبية، هذا دون أن نتحدث عن سائر المستعمرات التي شهدت عمليات استيطان مع توسع الهيمنة الاستعمارية على البلدان الفقيرة.
وهل يصح الحديث عن ثراء أوروبا الراهن بإغفال أن هذا ما كان سيكون ممكناً لولا حملات التوسع الكولونيالي في أرجاء الأرض، حيث استحوذ الأوروبيون، خاصة أصحاب الإمبراطوريات والأساطيل الحربية الضخمة على ثروات البلدان التي استعمروها، أو تلك التي طالتها أيديهم.
علينا ألا ننسى هنا أن هذا التوسع إنما جرى حصراً لأسباب اقتصادية صرفة، مهما تزيا بأردية أخرى، كالتبشير بالمسيحية مثلاً أو نقل الحضارة إلى الشعوب «الهمجية»، فيما لدى بعض الأمم التي استعمرها الأوروبيون من العمق الحضاري ما ليس لأوروبا ذاتها، كما هو حال أمة عظيمة كالأمة الهندية، مثلاً، حيث جعل الإنجليز من الهند درة تاج إمبراطوريتهم.
أمارة هذا البعد الاقتصادي هي أن هذا التوسع تمّ في كثير من حالاته تحت عناوين تجارية صارخة، كما هو حال نشاط شركة الهند الشرقية ومثلها شركة هولندا الشرقية، ما أدى إلى نهب ثروات البلدان المستهدفة، وإبقائها حتى اللحظة في دائرة التخلف.

د. حسن مدن
madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى