قضايا ودراسات

حسابات «الثناء غير المتبادل»

نور المحمود

غريب الإنسان كم هو أناني، يزعجه ألاَّ يكون محبوباً من الجميع، ويبحث باستمرار عن قائمة المعجبين به والمشيدين بصفاته، بينما هو يختار من يحبهم بعناية شديدة، ويكون بخيلاً جداً في اختياراته.
هذا الإحساس يتملّكك حين تتأمل أصنافاً من البشر، منهم الأناني في حبه لامتلاك قلوب الناس، يطرب لكلمات الإطراء، يطير عالياً كلما أشاد به الآخرون، يبحث عن الثناء في كل ما يفعل، لكنه يريده آتياً بخط واحد، المجيء بلا عودة.. لا يرضيه «الثناء المتبادل»، وإن فعل، فإنما يعد الكلمات التي تخرج من فمه ويحسب لها ألف حساب، فلربما فعلت كلماته مفعول السحر في نفس متلقيها، فصار أكثر جمالاً وأكثر نجاحاً وأكثر تميزاً، عندها ماذا يفعل هو؟ هل يرضى بأن يكون أقل شأناً وجمالاً وتميزاً منه؟ طبعاً لا، لذا يكتفي ببضع إشارات يلوّح بها لهذا المتميز أو الناجح، وبضع ابتسامات، وكلمات الإشادة والاعتراف بقدر الآخر يختار منها أضعفها، ويحصرها في كلمتين على أكثر تقدير.
حتى الإنسان العادي، البسيط، الطيب، المحبوب لإخلاصه وبفضل مجموعة الصفات الإنسانية المجتمعة في روحه.. حتى هذا لا يسلم من حسابات «مشاعر المجيء بلا عودة»، و«الثناء غير المتبادل».
وككل شيء في الحياة، هناك نماذج متنوعة من البشر، منها من يتخطى أنانيته، ويكمن فرحه في حبه للآخرين، دون أن يحسب المردود العائد إليه من هذا الحب والمحبة. يعطي دون أن ينتظر المقابل، لأنه تمرّس على التحلي بالمفهوم الحقيقي للعطاء.
الحب ومحبة الآخرين جزء من العطاء، حيث تعطي ولا تنتظر المقابل. العطاء المشروط يبقى ناقصاً، بل يكون مجرد تمثيل وادعاء وتباهٍ ليشعر المرء من خلاله بأهميته وتفوقه على الآخرين، يمن عليهم وينتظر منهم أو من غيرهم أن يردّوا له «الجميل». والعطاء ليس فقط مجموعة أموال يتصدق بها على المحتاجين، ولا لقمة يقتسمها مع الآخرين..
المحبة عطاء وإحساس بمن يحتاجون إلى التفاتة طيبة. كلمة شكر، وكلمة ثناء تفرح القلب، وتنعش الروح، تمدّها بالكثير من الأمل. الإشادة بالآخر قد تنتشله من حالة إحباط يغرق فيها، ودون أن ندري يكون في قرارة نفسه بانتظار تلك الكلمة الطيبة لتفتح أمامه آفاقاً جديدة.
الكلمة الطيبة والثناء طاقة تشرق منها الشمس في كل لحظة وفي أي وقت. كلمة تنقذ يائساً، وتعيده إلى الإيمان.. إلى الحياة. تخرجه من حالة انتحار نفسية، وما أصعب موت الروح في جسد يتحرك ويمشي و«يعيش».
الأناني بخيل في حبّه ومحبّته، ويطلب أن يكون ملكاً على قلوب الآخرين. أما الكريم فيغدق بالحب والمحبة، وينسى أنها قد تعود إليه في طريق لا تتقطع السبل فيه.
noorlmahmoud17@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى