قضايا ودراسات

اسم ومسمى

ذكر المفكر الفلسطيني البروفيسور، إدوارد سعيد في كتابه «خارج المكان» أنه كان يشعر بنوع من الازدواجية تجاه اسمه، فإدوارد اسم يحيل إلى بيئة اجتماعية غربية، وسعيد اسم عربي قح، ولذلك كما يقول كان أحياناً ينطق اسمه بسرعة، بحيث يختفي إدوارد في سعيد، ولكن صاحب «الاستشراق» رغم كل ازدواجية اسمه لم يلجأ إلى اسم مستعار أو لم يغير اسمه، وأصبح توقيع «إدوارد سعيد» بصمة فكرية ثقافية عالمية في أرقى الدوائر الأكاديمية الغربية وأكثرها عراقة.
قد تأخذك حكاية هذا العبقري الفلسطيني المقدسي مع اسمه إلى كتّاب عالميين أسماؤهم طويلة ومعقدة، فلجأوا إلى اختصارها في أسماء مستعارة أزاحت الأسماء الأصلية وحلت محلها أدبياً وإعلامياً، ولكنها لم تحل محلها في دوائر الجوازات على الحدود وعند إجراءات السفر من بلد إلى آخر.
الشاعر الأردني العذب صاحب الصوت المصفى، كما لو في الضحى «أمجد ناصر»، هو أمجد ناصر في المهرجانات والملتقيات الشعرية العربية، ولكنه «يحيى النميري»، في جواز السفر، أو هو يحيى النميري عندما ينادى عليه في مكبر صوت إذا تأخر عن إقلاع طائرة، وكذا «أدونيس» الذي حل محلّ «علي أحمد سعيد»، الاسم الذي يحيل إلى شيء من القروية، أو أنه اسم أقرب إلى طبيب عام أو مهندس معماري.
انظر ما أسرع وما أخف هذا الاسم «بول إيلوار» أحد شعراء المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، واسمه الحقيقي مكون من أربعة مقاطع معقدة «يوجين إميل بول جريندل»، ولو قرأت له «قوس عينيك يحيط بقوس قلبي» لما تذكرت هذه الكلمات بعد هذا الاسم الطويل وقد كانت أمه خياطة، ولكن ابن الخياطة هذا أصبح من أهم شعراء فرنسا منذ النصف الأول من القرن العشرين وحتى اليوم.
لقد عرفنا بلداً فائراً بأساطير أمريكا اللاتينية مثل «تشيلي» من خلال «بابلو نيرودا» الاسم ذي الحروف القليلة والخفيفة، فيما اسمه الحقيقي «ريكاردو أليسير نيفتالي ريس باسولانو».. فكيف كان لنا أن نحفظ شعر نيرودا لو أنه كتب بهذا الاسم الذي يشبه سكة قطار.
في ستينات القرن العشرين كان نيرودا مرشحاً لرئاسة بلده تشيلي، وهو في العام 1971 حاز على نوبل، ولكن في مسألة الرئاسة تحديداً إنما يليق ب«تشيلي» رئيس باسم مثل «نيرودا»، خفيف وشعري ولا يشبه القطار.
المصري الاسكندراني، ذو الأصول اليونانية «قشّرَ» من اسمه هذه الزوائد «كونستانتينوس بترو»، واكتفى فقط ب«كفافي» الذي ملأ العالم بقصيدته العابرة للحدود: «.. في انتظار البرابرة ..».

يوسف أبولوز
y.abulouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى