قضايا ودراسات

الحنين إلى الزمن الجميل

د.عبدالعزيز المقالح

لا يحن البشر إلى ماضيهم بقوة، وعمق إلا إذا كان حاضرهم سيئاً، وليس فيه شيء يبعث على الطمأنينة. ومنذ أيام قرأت لكاتب عربي كبير حديثاً يتناول فيه، بلغته البديعة المكثفة، موضوعة الحنين إلى الماضي، وتحول هذا الحنين عند البعض إلى حالة من النوستالجيا، ولي على هذا الحديث ملاحظة أحاول أن أشرحها في السطور الآتية بقدر من الإيجاز.
لقد عرفت السنوات الخمسين الماضية من التاريخ العربي الحديث -على ما فيها من سوء وتراجع عن القضايا القومية المهمة – ما يمكن القول عنه إنه أيام للزمن الجميل قياساً بما يحدث الآن،
وما تمتلئ به الأيام الراهنة من أحداث، ووقائع تجعل أغلبية كبيرة من مواطني بعض الأقطار العربية يتمنون الفرار منها إلى ما قبل التاريخ، فقد انقلبت حياتهم رأساً على عقب، واضطر بعضهم إلى النزوح عن مدنهم، وقراهم، إلى المجهول بكل مخاوفه ورعبه، واحتمالاته، ومن بقي متشبثاً بالأرض فإنه يغدو عرضة للموت، ولما هو أقسى من الموت في كل ساعة من ساعات الليل والنهار.
أليس من حق هؤلاء، وهؤلاء، أيها الكاتب الكبير أن يحلموا بذلك الماضي الذي كان، وأن يروا فيه – رغم كل عثراته ومواجعه – فردوساً مفقوداً، وزمناً جميلاً هيهات أن يعود. إن الصراعات الطائفية، والعنصرية، والجهوية، التي يشتد أوارها في بعض أقطارنا تجعل من الحنين إلى الماضي – أي ماض قريب أو بعيد – حلماً وأمنية، عزيزة المنال.
ربما كان لا يزال بيننا نحن العرب – ممن لم يذوقوا مرارة الواقع بعد – من يحن إلى ماضٍ معين من حياته، وقد يوغل في هذا الحنين إلى أن يتحول إلى حاله مرضية، لكن هذا النوع من الحالمين يكاد يكون نادراً، وحتى في الشعوب الأخرى التي تسير أمورها على ما يرام لا يخلو مواطنوها من الشعور بالقلق من المستقبل الذي يهدده التراكم المتزايد من أسلحة الدمار النووي، وما ينتظر هذا الكوكب من هول هو المقدمة الحقيقة إلى القيامة، إن لم يكن هو القيامة ذاتها، بكل ما تحدثت عنه الكتب السماوية، وأرسلت من علامات. إذاً، ليس كل من يحلم بالماضي على ما كان فيه من سوء محتمل واختلال مقبول، ولنا أن نتذكر كيف كنا نفتح أعيننا في أغلب الأيام على أخبار لم يكن فيها من مسببات الإزعاج واحد في المئة مما نفتح أعيننا عليه في هذا الأيام التي أصبح وصفها بالسوداء، تقليلاً لما تحمله من أخبار القتل والترويع والتخريب.
كم تمنيت لو أن أحلامنا وحنيناً يتجه بنا صوب المستقبل المنشود، المستقبل المنعم بالتسامح والتعايش والسلام، المستقبل الذي يجعل من هذه الأرض جنة أولى في الطريق إلى جنة الآخرة ذات النعيم المقيم. لكن كيف يحدث ذلك وواقعنا الراهن المثقل بالحروب والملطخ بالدم لا يترك في جدار المستقبل ثغرة تنفذ منها الأحلام إلى أبعد من سلبيات الواقع وموحياته الدامية، والموجعة، وما تسفر عنه أيامه من جهل بالحلول، وعشوائية في التفكير، وما يقوم به الآخرون من تأجيج الخلافات وتغذية الأقليات العرقية، والأثنية، بما لم يكن يخطر لها على بال، انتقاماً من مشاعر التوحد ولزعزعة الاستقرار والقضاء على المشاعر النبيلة للمواطنة، والتعايش الأخوي، والسلمي.

abdulazizalmaqaleh@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى