قضايا ودراسات

عقوبات غربية بلا جدوى

مفتاح شعيب
لم تتخفف العلاقات بين روسيا والغرب من عبء التوتر الذي شابها طوال الأعوام الثلاثة الماضية على خلفية ضم موسكو جزيرة القرم واتهامها بدعم الانفصاليين في شرقي أوكرانيا. وبعد أشهر من التفاؤل الحذر من احتمال حدوث تغيرات في بعض السياسات الغربية، ها هي الولايات المتحدة تقر حزمة إجراءات جديدة والاتحاد الأوروبي يمدد عقوباته «القاسية» لستة أشهر، في انتظار أن يمددها مرة أخرى أو يلغيها نهائياً.
بالمقابل لا ينكر الطرف الروسي أن الخطوات الغربية قد ألحقت أذى بقطاعات اقتصادية محدودة، ولكنه يتعمد تجاهلها ويرد عليها بخلق بدائل تتمثل بتنمية علاقاته مع قوى فاعلة في هذا العالم، بما يعني أن العقوبات الغربية المفروضة على موسكو ليست لها جدوى ولن تحقق النتائج السياسية المرجوة، والهدف الوحيد الذي حققته إلى الآن هو إشباع بعض من غرور الغرب بفعل ما يتطابق مع رؤاه ومصالحه. فقد تم فرض العقوبات الأمريكية والأوروبية على مؤسسات روسية وبنوك وشركات وشخصيات ودوائر مقربة من الكرملين، وبموازاة ذلك، أجرت الدول الغربية، فرادى وجماعات، اتصالات واجتماعات مع المسؤولين الروس، ولم تعد القرم، وظل الوضع في الشرق الأوكراني محتقناً دون أن يعرف السلام وفق الرؤية الغربية. وفي ملفات دولية أخرى، ظلت الخلافات قائمة ولم يلتق الطرفان الروسي والغربي على سياسة واحدة. ومن الأمثلة على ذلك سوريا، حيث وقع أغلب المتدخلين في «حيص بيص»، ولم يعد أحد قادراً على اتخاذ موقف واضح، بينما استحوذت روسيا على مفاتيح الأزمة، وبقيت الأطراف الإقليمية والدولية على الأبواب تنتظر ما سيسفر عنه الآتي. وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون آخر المسلّمين بانقلاب الأوضاع في سوريا، وموقفه هذا لن يكون الأخير، بالنظر إلى العديد من المفاجآت المنتظرة في أكثر من نقطة توتر في العالم.
انقلاب الموقف الفرنسي في سوريا لن يكون نفسه في أوكرانيا، فالأزمة هناك ليست حادة، وحولها مجال للمناورة واللعب بأوراق سياسية خصوصاً في ما يتعلق بالسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، أما في الواقع فليس هناك ما يوحي بأن الروس سيعيدون القرم وأن أوكرانيا ستكون مستقرة إذا ظلت سياساتها ومواقفها عدائية حيال موسكو. وأكثر ما يخشاه بعض المراقبين أن يؤدي الضغط الغربي على روسيا إلى نتائج عكسية، كأن يتم استنساخ الأزمة الأوكرانية في عدد من الدول التي تحسب، بفعل التاريخ والجغرافيا، من ضمن المجال الحيوي لموسكو، ولكن القوى الغربية وحلف شمال الأطلسي أساساً يعملان على استمالة بعض من تلك الدول وأحياناً توظيفها في مشاريع خطرة على الأمن والسلام في أوروبا.
التوتر المستمر بين روسيا والغرب عواقبه وخيمة وإن طالت فترة الهدوء الحذر، فأوروبا تحاول إنقاذ اتحادها من التصدع، ولكن مواصلة الاستفزاز المتبادل، من شأنه أن يشوش على ذلك الطموح بما سيصيب لاحقاً العلاقات الدولية بالتأزم ويؤثر سلباً على كثير من القضايا التي تستوجب التقاء الأطراف الكبرى بعيداً عن التصعيد والتآمر المتبادل، لا سيما وأن الأوضاع العالمية لن تتحمل مزيداً من الاحتقان خشية أن تنزلق يوماً إلى أسوأ الاحتمالات.

chouaibmeftah@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى