قضايا ودراسات

كل القضايا في «حتى»

عبد اللطيف الزبيدي

قال القلم: أغلب الظن أن قومنا يتوهمون أن النظام الكونيّ لم يُخلق لشيء إلا للاستجابة لطلباتنا، بينما نحن أعجز حتى من رؤية مدى ضرورة وجودنا في هذا العالم، لا في الكون والأكوان المحتملة. نرجسية تائهة.
قلت: ما هذا الشطط، والافتراء وأكل الزلط؟ هذا هلال العيد أطل، والدعاء هطل، بأن تبارك السماء للعرب أعمالهم. قال: ههنا خشيتي وروعي. ألا تؤمن بأن النظام الذي يسيّر الأكوان لا يمكن قياس نظامه على حبو تقانة المعلوماتية البشرية؟ ذلك النظام لا تسقط ورقة إلا يعلمها، ولا يتحرك إلكترون ولا فوتون، إلا بتقدير. لدى الإنسان اليوم حواسيب تردّ على الرسائل الإلكترونية تلقائياً، طبقاً لبرمجة محددة. ضع في الحسبان واحداً من مليار احتمال، أن ذلك النظام العظيم يستجيب للذين يطلبون كل شيء ولا يقدمون شيئاً، ويظنون أن للسماء تمييزاً لهم عن غيرهم من الخلائق، بدعوى أنهم الأفضل، وأن من سواهم كل أبواب الاستجابة موصدة دونهم، في هذه الحالة سيجدون أنفسهم في دوامة حلقة مفرغة، فكلمة النظام الأعلى واضحة: «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، (الرعد 11). «لا» في هذه الآية بمعنى «لن»، وقبلها توضيح توكيدي آخر: «إن الله». هل غيروا ما بأنفسهم حتى يطالبوا السماء بالتغيير؟ ما هذه الاتكالية التي في بطنها جهل مركّب لمسؤوليتهم في الحياة، وسوء فهم لمعنى استجابة السماء؟ هم يتوهمون أن معنى «حتى يغيروا ما بأنفسهم»، ينحصر في بعض اللمسات الأخلاقية، كالطيبة وحسن النوايا، المسألة أبعد من ذلك. القضية تكمن في تغيير ما بالقوم، بالشعوب والأمم، السلوك الجماعيّ للأنظمة، تغيير مفهوم الإحساس بالمسؤولية العامة، تغيير التفكير الفرديّ في سَوْق الشعوب إلى الهاوية. السماء ليست شركة إصلاح سفن إذا القوم أصروا على تعطيل محركاتها وإغراقها بمن فيها. من الجنون توهّم أن المشيئة، لحكمة ما، جلبت الإرهاب لتدمير العالم العربيّ، أو حتى لتفجير حدباء الموصل، مسجداً ومنارة، بينما النص يقول: «في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه» (النور 36).
هي ذي القضية صارت نحوية. الفرّاء (أو من قال، فحتى في هذه لا اتفاق للعرب) مات وفي نفسه شيء من حتى. هي ذي أكبر «حتى» شرطية: الله لا يغيّر حتى تغيّروا. وهي متضمنة «لن» التأبيد الزمخشرية: لن يغيّر حتى تغيّروا. وفيها الأمر: يجب أن تغيّروا حتى يغيّر، فهل يفهم العرب أبسط أدوات اللغة العربية؟
لزوم ما يلزم: النتيجة التغييرية: لن تتغير رتابة «كل عام وأنتم بخير»، ويصبح لها معنى وطعم، حتى تغيروا إلقاء مسؤولياتكم على السماء.
abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى