قضايا ودراسات

صراع دولي لإزالة الأسلحة النووية

لورانس ويتنر *
منذ أن وجدت الدول وهي تتشبث بوهم أن قوة جيشها تضمن أمنها، الأمر الذي يستدعي سباق تسلح بين الدول أخطره سباق التسلح النووي.
المشكلة في هذا التفكير هي أن القوة العسكرية، التي تعتبرها دولة حيوية لأمنها، إنما تثير لدى دول أخرى إحساساً بعدم الأمان. وهذا المناخ من الريبة يؤدي إلى سباق في التسلح، كثيراً ما ينتهي بنزاعات عسكرية. كما أنه في بعض الأحيان القوة العسكرية ذاتها التي بنتها دولة من أجل حماية نفسها تولد لديها جرأة لكي تتبع سياسات عدوانية متهورة، ما يؤدي إلى الحرب.
وبحلول القرن العشرين، أصبح الدمار الناجم عن الحروب بين الدول هائلاً إلى درجة أن الرأي العام، إلى جانب الكثير من المسؤولين الحكوميين، بدأوا يدركون أن عالماً يُترك تحت رحمة القوة العسكرية للدول هو بالتأكيد عالم خطر. ونتيجة لذلك، ما إن انتهت المجازر الجماعية للحرب العالمية الأولى حتى أنشأت الدول منظمة عصبة الأمم (خلال مؤتمر باريس للسلام في 1919)؛ بهدف توطيد الأمن الدولي؛ لكن عندما تبين أن ذلك لم يكن كافياً لوقف اندفاع الدول نحو الحرب العالمية الثانية وما سببته من دمار كان حتى أكبر من دمار الحرب العالمية الأولى، قررت الدول إنشاء كيان عالمي جديد أكثر قوة وفاعلية: منظمة الأمم المتحدة.
ولكن لسوء الحظ، العادات السيئة لا تزول بسهولة، في حين أن الاعتماد على القوة العسكرية من أجل حل المشكلات هو أحد أقدم العادات وأكثرها تدميراً في تاريخ البشرية. وتبعاً لذلك، بينما كانت دول العالم تؤكد بالكلام فقط التزامها بمبادئ الأمم المتحدة وسعيها لترسيخ الأمن الدولي، فإن العديد من الدول عادت إلى ممارسة النمط القديم من بناء قوات مسلحة حسنة التسلح. وشمل ذلك الأسلحة النووية، وهي الأدوات الأكثر فعالية للقتل الجماعي.
لم يكن مفاجئاً إذاً أنه بينما كان قادة دول تتمتع بقوة عسكرية جبارة يتحدثون عن «ضمان السلام بواسطة القوة»، فإن بلدانهم اندفعت إلى حروب على مدى سنوات طويلة. وأبرز مثال هو الولايات المتحدة، الدولة الأفضل تسليحاً منذ 1945، التي كانت تتورط في حروب مع دول أخرى في معظم الأوقات. ومن بين الدول الأخرى التي قد تكون قوتها العسكرية هي التي دفعتها إلى التورط في حروب منذ الحرب العالمية الثانية، بريطانيا، وروسيا، وفرنسا، والصين، والهند، و«إسرائيل»، والعراق، وإيران.
وعلى ضوء هذا السجل المحزن، فإن ما يثير الفزع هو أن الدول التسع المسلحة نووياً (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين، الهند، باكستان، «إسرائيل» وكوريا الشمالية) تجاهلت التزاماتها القانونية بتجريد نفسها من أسلحتها النووية بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي لعام 1968. والأخطر من ذلك الآن هو أن هذه الدول شرعت حديثاً في جولة جديدة من سباق التسلح النووي. وأبرز مثال على ذلك هو أن الولايات المتحدة بدأت برنامجاً ضخماً يمتد على مدى 30 سنة من أجل تحديث ترساناتها النووية وبناء جيل جديد من الأسلحة النووية. ويقدر أن هذا البرنامج سيكلف تريليون دولار (ألف مليار دولار).
ولكن بينما تندفع الدول النووية في سباقها نحو الكارثة، فإن دولاً غير نووية بدأت تتمرد. وهذه الدول تشكل معظم دول العالم، وهي تتمتع بنفوذ كبير في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وفي أواخر 2016، عرضت هذه الدول على الجمعية العامة مشروع قرار من أجل تنظيم مفاوضات عالمية حول معاهدة تحرم الأسلحة النووية.
ويقول منتقدو مشروع القرار هذا إن مثل هذه المعاهدة ستكون تافهة؛ لأنه في النهاية هناك تسع دول نووية فقط تستطيع التفاوض حول تجريد نفسها من الأسلحة النووية – وليس جمعية لدول عدة. ولكن أنصار مشروع القرار يردون بالقول إنه إذا صوتت أغلبية عظمى من دول العالم على تحريم الأسلحة النووية – أي جعلها غير مشروعة بموجب القانون الدولي – فإن هذا سيشكل ضغطاً هائلاً على القوى النووية لكي تلتزم بقرار المجتمع الدولي، وتزيل أسلحتها النووية.
ومن أجل تجنب هذا الإحراج، ردت الدول النووية وحلفاؤها بحملة دبلوماسية قوية لمنع إقرار مشروع القرار المطروح أمام الجمعية العامة؛ لكن في 23 ديسمبر/ كانون الأول 2016، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع القرار بأغلبية ساحقة: 113 دولة صوتت لصالح القرار، و35 دولة صوتت ضده، في حين امتنعت 13 دولة عن التصويت.
ونتيجة لذلك، بدأت في 27 مارس/ آذار 2017 أعمال مؤتمر دبلوماسي دولي في مقر الجمعية العامة في نيويورك، مهمته صياغة مشروع قرار للأمم المتحدة يوصف بأنه «أداة ملزمة قانونياً لتحريم الأسلحة النووية وإزالتها كلياً في نهاية المطاف».
* بروفسور تاريخ أمريكي وناشط سلمي – موقع «أنتي وور»

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى