قضايا ودراسات

الكاميرا قلم

د. حسن مدن

كتبنا هنا قبل نحو عام ما مفاده أن السينما تغار من الكتابة، وأنه يصدف ونحن نقرأ رواية من الروايات أن ينتابنا الإحساس بأننا نشاهد فيلماً، فنقول لأنفسنا: مثل هذه الرواية قمينة بأن تتحوّل إلى فيلم جميل، لأن الحاسة البصرية لكاتبها عالية، في التقاطه للتفاصيل والزوايا التي لا تبلغها إلا السينما عادة.
وأتينا، يومها، على مقولة الإيطالي إيتالو كالفينو من أن السينما تنجذب بصورة متواصلة نحو الأدب، ورغم ما تتمتع به من سطوة إلا أنها مبتلاة بالغيرة من النص المكتوب، أو أنها وفق تعبيره «تريد أن تكتب». وهذه الغيرة، أو فلنقل الحب، زوَّدت السينما باختراعات عديدة أصبحت على الفور شائعة مثل الصوت الآتي بعيداً عن الشاشة و«الفلاش باك» الزمني للتعبير عن الماضي، وتقنيات أخرى.
لكن للأمر وجهاً آخر في علاقة الاثنين، السينما والأدب، ببعضهما، إذا ما تذكرنا أن السينما إنما أتت من فضاء الأدب، ففي بداياتها كانت مرتبطة بأدب المسرحية، ولم تخرج عن كونها مسرحية مسجلة، تنقل النص بواسطة حركية تعبيرية في السينما الصامتة أو من خلال حوار تمثيلي في السينما الناطقة.
وفي بعض الدراسات حول ذلك لاحظ المهتمون أن أفلام جان رينوار التي أخرجها في ثلاثينات القرن العشرين كانت شديدة التأثر بأسلوب إميل زولا الواقعي.
لكن السينما سرعان ما تحررت من أسر الأدب، لتصبح فناً سابعاً، ولم يعد السينمائيون الكبار يرضون بأن يكونوا تابعين أذلاء للأدباء، فالسينما أرحب من أن تأسر نفسها في هذا الحيز الضيق، هي التي تعد محصلة الفنون جميعها كالموسيقى والرقص والنحت والتصوير والشعر والدراما، وبعد حين ستغدو أيضاً مظهراً من مظاهر الفنون التشكيلية، ووجدنا مخرجاً عظيماً مثل الروسي ايزنشتاين يقوم بنفسه برسم لقطات فيلمه الشهير «إيفان الرهيب»، ولم يكن يبدأ التصوير إلا بعد التأكد من جودة رسوماته التمهيدية.
في منتصف القرن الماضي تقريباً نشر ألكسندر تروك مقاله الشهير: «الكاميرا قلم»، الذي كان بمثابة «مانفيستو» استقلال السينما عن الأدب. ووفقاً لرأيه، فإن السينما ليست مجرد طريقة لتنفيذ نص مكتوب، وليست مهمة المخرج منحصرة في عمل حَرفي محدود كتصوير الأماكن والديكورات التي يقررها مؤلف السيناريو.
وضع تروك المخرج في الصدارة أو القلب حين أكدَ على أن السينما فن متكامل يقوم به المخرج فقط، مهما ساعده في ذلك الآخرون، فهو من يتولى عملية الخلق الفني في البداية، ويسجل العمل الفني بآلته التي بيده أو بيد مصوره، تماماً كما يفعل الكاتب بقلمه والفنان بريشته. إنه مبدع خالق مثلهما، وبالتالي جاز وصف عصر السينما بأنه عصر الكاميرا كقلم.
madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى