قضايا ودراسات

منطقة البلقان على فوهة بركان

تيد غالن كاربنتر *
إحدى المشكلات التي تبرز عندما يركز المسؤولون ووسائل الإعلام الأمريكيون على عدد صغير من مسائل السياسة الخارجية هي أن تطورات مقلقة وخطرة يمكن أن تبقى موضع تجاهل.
هذا ما يبدو أنه يحدث الآن في البلقان، المنطقة التي كانت تحتل أولوية في السياسات الخارجية للقوى الغربية في التسعينات، ولكنها لم تعد موضع اهتمام في السنوات الأخيرة. وبينما يركز صانعو السياسة ووسائل الإعلام الأمريكيون على الشرق الأوسط، وكوريا الشمالية، والمزاعم بشأن تدخل روسي في انتخابات الرئاسة الأمريكية، فإن توترات تعتمل في البلقان وتهدد بتفجير أزمة خطرة، وربما حرب.
وأحدث تطور مقلق هو انتصار أكثر الفئات تشدداً في الانتخابات الأخيرة في كوسوفو. وأسفرت هذه الانتخابات عن بروز ما أسمته وسائل الإعلام الكوسوفية ب «تيار الحرب» كأكبر كتلة في البرلمان، إذ حصلت على 34 % من أصوات الناخبين. والزعيمان الرئيسيان لهذا التيار، الذي يقوده الحزب الديمقراطي، هما الرئيس هاشم تاجي وقائد سابق آخر لجيش تحرير كوسوفو، هو راموش هاراديناي الذي يرجح أن يصبح رئيس الوزراء. وسبق أن اتهم محققو الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة كلا الرجلين بارتكاب العديد من جرائم الحرب خلال حرب انفصال كوسوفو عن صربيا في أواخر التسعينات.
وما عزز قوة وصعود القومية المتشددة هو النتائج الكبيرة والمفاجئة التي حققتها «حركة تقرير المصير»، إذ حصلت على 27 % من أصوات الناخبين. أما الائتلاف المعتدل الحاكم حالياً بقيادة حزب الرابطة الديمقراطية، فقد حل في المرتبة الثالثة بحصوله على أقل بقليل من 25 %.
و«حركة تقرير المصير» أكثر تطرفاً من فصيل الرئيس تاجي، حيث كثيراً ما كان ممثلوها يعطلون جلسات البرلمان بإثارة اضطرابات ومشاجرات من أجل منع تبني أي تشريعات تهدف للمصالحة مع أي من صربيا أو جمهورية مونتينيغرو ( الجبل الأسود ).
وفصيل الرئيس تاجي وحركة تقرير المصير يتبنيان موقفاً متصلباً لا يقبل مساومات تجاه الأقلية الصربية المتبقية في كوسوفو، كما أنهما عطلا التوصل إلى اتفاق حدودي مع مونتينيغرو، وهما يطالبان بضم بعض الأراضي في صربيا ومونتينيغرو إلى كوسوفو بحجة وجود أقليات ألبانية كبيرة فيها. وكثيرون من القياديين والأعضاء في هذين الفصيلين المتشددين مصممون على الإندماج مع ألبانيا وضم أراض أخرى بهدف إقامة «ألبانيا الكبرى». وهذا ليس هدفاً جديداً للمتشددين الكوسوفيين. ففي أعقاب الحرب التي شنها حلف الأطلسي عام 1999 من أجل فصل كوسوفو عن صربيا، أخذ دعاة «ألبانيا الكبرى» يحركون المشاعر الانفصالية بين الألبان عبر كل منطقة البلقان، بما فيها جمهورية مقدونيا.
وهذا الغليان بلغ مستويات أزمة في عامي 2001 و2002، ثم أثار اضطرابات في مناسبات متعددة منذ ذلك الحين. وفي العام الحالي، أخذ الغليان يبلغ مستويات تنذر بخطر.
وهذا الحراك المتشدد في كوسوفو وألبانيا يثير قلقاً متعاظماً لدى البلدان المجاورة. وفي وقت سابق من العام الحالي، حذرت حكومة صربيا من أن أي تحرك ألباني لضم كوسوفو، أو إقامة أي نوع من الاتحاد مع كوسوفو، يمكن أن يؤدي إلى حرب. وجاء هذا التحذير الصربي في أعقاب تهديد رئيس الوزراء الألباني إيدي راما بالعمل من أجل ضم كوسوفو إلى ألبانيا إذا لم يقبل الاتحاد الأوروبي طلب عضوية ألبانيا. وبدورهم، ضغط المسؤولون في صربيا على كل من الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي لكي يرفضا بصورة قاطعة أي مسعى لإقامة «ألبانيا الكبرى».
وفي الأشهر الأخيرة، كانت التوترات تتصاعد بين كوسوفو وصربيا حول مسائل أخرى، مثل العراقيل التي تضعها سلطات كوسوفو أمام التجارة بين الأقلية الصربية في شمال كوسوفو وصربيا. وفي منتصف يناير/كانون الثاني، منعت سلطات كوسوفو استئناف حركة القطارات بين صربيا وشمال كوسوفو، حيث تتركز الأقلية الصربية.
وما يزيد من خطورة الوضع في البلقان حالياً هو أن الولايات المتحدة وحلفاءها في حلف الأطلسي يدعمون دائماً، وفي بعض الأحيان بتهور، الأجندة السياسية لقادة ألبانيا وكوسوفو.

* باحث متخصص في شؤون الدفاع والسياسة الخارجية في معهد «كاتو» للدراسات في واشنطن – موقع مجلة «ناشيونال إنترست»


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى