قضايا ودراسات

فرنسا وبريطانيا.. اتهامات متبادلة حول الأقليات

كونراد ياكابوسكي *
تتبادل النخب في كل من فرنسا وبريطانيا اللوم، على طريقة التعامل مع الأقليات في البلدين. الفرنسيون ينتقدون التعددية الثقافية البريطانية، والبريطانيون ينتقدون العلمانية التي أدت إلى إقصاء بعض الأقليات.
يعلن الفرنسيون والبريطانيون التفوق الأخلاقي بعضهم على بعض منذ قرون. والمفارقة هي أن الفرنسيين غالباً ما يستندون في ادعاءاتهم على دين أصبحوا يعتبرونه مناقضاً لمفهوم كونهم فرنسيين. والنتيجة هي أن المجال العام الفرنسي هو اليوم منطقة لادينية، حيث تعامَل جميع الأديان بارتياب، إلاّ أن واحداً منها على وجه الخصوص، يُستقصَد في العادة دون غيره، باعتباره تهديداً خاصاً للجمهورية.
وهكذا، فإن السياسيين والمثقفين الفرنسيين شديدو الانتقاد للتعددية الثقافية البريطانية، والولاءات المتنافسة بين المعتقَد والبلد الذي يتسامح معه. وترى النخبة الفرنسية أن التعددية الثقافية لا تتفق مع زرع المواطَنة، باعتبار التعددية عائقاً في طريق إدماج المهاجرين، ونقيضاً لغرس القيم الوطنية المشتركة.
ويرُدّ نظراؤهم البريطانيون في العادة بالطريقة ذاتها، بانتقاد السياسة الرسمية الفرنسية، سياسة العلمانية، التي أدت إلى وصم السكان المسلمين في البلاد، وهم الجالية الكبرى في أوروبا. وبدا أن سلسلة الهجمات الإرهابية التي ضربت فرنسا في عاميْ 2015 و2016، وخلفت أكثر من 240 قتيلاً، وفرتْ دليلاً على فشل نموذج الاندماج الفرنسي. وقد أقصِيَ المسلمون الشبان في البلاد، وتحوَّل ألوف منهم إلى متطرفين.
ومع وقوع ثلاثة هجمات إرهابية مروّعة في بريطانيا منذ مارس/ آذار، تبدّل الوضع الآن، وراح الفرنسيون يوجهون أصابع الاتهام من جديد إلى التعددية الثقافية باعتبارها المشكلة في الجهة الأخرى من القنال الإنجليزي؛ فسياسة عدم التدخل البريطانية إزاء توكيد الفوارق الدينية، وحتى السماح بوجود مجالس الشريعة الإسلامية للفصل في النزاعات الزوجية بين المسلمين، تعتبَر من قِبل قادة الفكر الفرنسيين تخليّاً عن مسؤولية الدولة عن ضمان استيعاب الوافدين الجدد وذريتهم.
وفي يوم الاثنين 5/6، سأل برنامج الأخبار الليلية على الشبكة الإذاعية العامة الرئيسية في فرنسا: «هل ذهب البريطانيون بعيداً باسم التسامح؟». وقد وصف مراسل محطة فرنسا 2، الذي تبنى نبرة مرتابة بعض الشيء، بلداً «تتعايش فيه المجتمعات، ولكنها لا تتخالط بالضرورة»، حيث «لا توجد العلمانية، بينما الحجاب الإسلامي بكل أشكاله مقبول في المدارس، والمستشفيات العامة والدوائر الحكومية. وحيث المحاكم الشرعية الإسلامية أيضاً قانونية».
وكانت الإشارة في التقرير إلى تصريح رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، في أعقاب الهجوم في منطقة سوق بورو في لندن، حيث قالت «إننا في حاجة إلى أن نعيش حياتنا، لا في سلسلة من المجتمعات المحلية المنفصلة والمنعزلة، بل كمملكة متحدة فعلاً».
ومع ذلك، وبقدر ما يشكك المحافظون البريطانيون بانتظام في إيمان بلادهم بالتعددية الثقافية، فإن قلة منهم تمضي إلى الحدّ الذي يبلغه الفرنسيون في إدانتها صراحة. ولا حتى رئيس فرنسا الجديد، ايمانويل ماكرون، المؤيد للتنوع، يجرؤ على الدعوة إلى تراجع الدولة عن حظر الحجاب في المدارس الحكومية. وفي خطاب متميّز في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أعلن أن من مهمة فرنسا أن تضمن أن «يكون المسلمون الفرنسيون فخورين بكونهم فرنسيين، قبل أن يكونوا فخورين بأنهم مسلمون».

والحقيقة هي، أنه لا النموذج الفرنسي ولا البريطاني للإدماج، كان ناجحاً حتى الآن. ولكنّ أياً من النموذجين في حدّ ذاته، ليس ملوماً على تطرف الشبان المسلمين وبعض النساء، الذي حدث ضمن حدود كل من البلدين. وتواجه الأقليات العرقية عنصرية منظمة في كل من فرنسا وبريطانيا. وهكذا، فإن هؤلاء الشبان غالباً ما يتحولون إلى التطرف لا لأنهم مسلمون، بل ردّاً على العنصرية التي هم وأصدقاؤهم وأسَرُهم، ضحاياها. وأنا لا أقول إن هذه هي الحال على الصعيد العالمي. فهنالك أئمة متطرفون في كلا البلدين، يبحثون بنشاط عن عقول فتية ضعيفة يحْرفونها عن الصواب.
كتب المؤلف البريطاني، كنان مالك، صاحب كتاب «التعددية الثقافية والناقمون عليها»، في صحيفة «الغارديان» في أعقاب الهجوم الإرهابي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 في باريس، الذي أودى بحياة 130 شخصاً، أن سياسة الإدماج المثالية سوف «تزاوج بين الجوانب النافعة في النهجين (الفرنسي والبريطاني)- إذ تحتفي بالتنوع بينما تعامل الجميع على أنهم مواطنون، بدلاً من أنهم ببساطة ينتمون إلى مجتمعات معينة. وفي الممارسة العملية، رغم ذلك، أضفت بريطانيا وفرنسا طابعاً مؤسسياً على السمات الأشدّ ضرراً- وضعت بريطانيا الأقليات في صناديق إثنية وثقافية، وتحاول فرنسا خلق هوية مشتركة بمعاملة أولئك الذين هم من أصل شمال إفريقي باعتبارهم الآخَر».
لقد تعرضت كل من فرنسا وبريطانيا لهجمات متكررة منذئذٍ، ويقوم كل بلد بالتركيز في أعقاب ذلك على تعزيز التدابير الأمنية وتحديد الإرهابيين المحتملين، أكثر بكثير من التركيز على معالجة إقصاء الأقليات الفتية بين ظهرانيها. وبدلاً من أن تنتقد كل من بريطانيا وفرنسا نموذج الأخرى للإدماج، خيرٌ لهما أن تصلح كل منهما العيوب في نموذجها.

* صحفي كندي.موقع: صحيفة«ذي غلوب اند ميل» الكندية.
* افتتاحية لموقع «استراتيجيك كلتشر» (في 12 يونيو/ حزيران)


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى