قضايا ودراسات

الأمثال في ميزان الاستراتيجية

عبد اللطيف الزبيدي

بعض الأمثال نظريات استراتيجية مكثفة، من حيث هي أفكار مجردة قابلة للتطبيق بألف صورة. يقلل الناس من قيمتها حين ينظرون إليها كموروث قديم أو شعبيّ. لكنها كذرّة الهيدروجين عند الانصهار.
سلسلة الأعمال الإرهابية الأخيرة في بريطانيا، حلقات «الدعس»، زيت مقصود تصبّه بانتظام جهات معيّنة على نار الإرهاب، حتى لا تنطفئ ناره، ولا يخمد ضرامه، لأنه وسائل لتحقيق غايات في أماكن جغرافية شتى. في الكواليس جهة مستفيدة لا تهمّها فجائع الأطراف الأخرى، المهم النتيجة. شاحنة تدعس مارّة في لندن جنسياتهم غير مهمة، وأخرى تدوس مسلمين يحتفلون بالعيد. الخطة الاستراتيجية: «فخّار يكسّر بعضه»، لكن الهدف البعيد هو العرب والإسلام.
نحن أمام حشد كبير من الأغبياء: برنارد لويس، كيسنجر، فوكوياما، صمويل هنتنجتون، المحافظين الجدد، برنارد هنري ليفي، وكل ذوي المخططات الإجرامية الصهيونية. هؤلاء مجرمون حمقى في نظر فلسفة التاريخ. هم يسعون (سعى في اللغة عدا وجرى) إلى «صدام الحضارات»، فهل هم يدركون الأبعاد المستقبلية حقاً؟ الغباء يتمثل في إهمال أهمّ عامل، وهو وجود طرف عدوانيّ هجوميّ بلا مبرر إنسانيّ، ولا حق ولا ضمير ولا رسالة حضارية غير النزعة التدميرية، التي يغذيها ويشحنها الفيروس التخريبيّ العالميّ.
القصة المعروفة في المثل: «حيثما أصابت فتح» لا تنطبق على الحضارات. يروى أن فريقين اقتتلا، وكان رجل جالساً على تل، كلما وقع أحد من الفئتين صريعاً طار فرحاً، فسُئل فقال: كلاهما عدوّي، «حيثما أصابت فتح». قد يكسّر الفخّار بعضه إلى حين، ولكن الشعوب والأمم لا تنطلي عليها الحيلة والأحبولة على الدوام. للشعوب والأمم عقول وأدوات استشعار. ليس مفكراً ولا فيلسوفاً ولا حكيماً، من يتحدث، حماقة واستغباء، عن «نهاية التاريخ». التاريخ لا ينتهي بأوهام الخطط التآمرية. الحضارات لوحات تكتونية قد تتصادم محدثة زلازل، ولكن زلزالها تنشأ عنه حياة جديدة، إلّا أن صدام الحضارات يحمل في طياته معادلات أخرى لا يراها جهّال فلسفة التاريخ. الحضارة التي تفقد قيم وجودها وتتحول إلى «بلدوزر» مدمّر هي التي تنتهي صلاحية حياتها، لأنها فقدت مقوّمات الحياة. عندما لا يبقى لها من القيم غير المافياوية والفتك تسير تلقائياً نحو نهايتها، حتى لو ظلت الجريمة بلا عقاب.
على العاقل أن يتأمل ما تفعله الطبيعة أمام الكوارث، الشعوب والأمم جزء لا يتجزأ من الطبيعة. كم مجلّداً يلزمك لتعداد الفجائع المهينة التي شهدتها الصين؟ هي الآن في القمّة؟ من يظن أن العالم العربيّ انتهى، يقيناً أمامه مرآة.
لزوم ما يلزم: النتيجة العيدية: تلك الجملة الأخيرة، انقشها على جبهة التاريخ.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى