قضايا ودراسات

الغرفة رقم 85

يوسف أبولوز

عاش الكاتب المصري ألبير قصيري، 94 عاماً، أمضى منها حوالي 60 عاماً مقيماً في الغرفة رقم 85 في فندق «لالويزيان» في شارع الستين ــ حي سان «جيرمان دو بريه» في باريس، ولم يغير هذه الغرفة حتى توفي فيها في العام 2008، وهو شيخ في الرابعة والتسعين من عمره. هو الذي كان يتخذ من الكسل فلسفة حياتية يومية، ويقال إنه كان يكتب جملة واحدة كل أسبوعين، لذلك أمضى عقود حياته على عدد قليل من الأعمال الروائية والقصصية لا تتجاوز العشرة، ومع ذلك، اسمه ماثل في الحياة الثقافية المصرية، والفرانكفونية، وهو رغم كل هذه السنوات الطويلة من الإقامة في فرنسا رفض الجنسية، وتمسك بمصريته وأصالة جذوره، ولكن من دون ذلك الشعور المقيت بالانتمائية الأشبه بالعنصرية، وكانت غرفة الفندق تلك بمثابة النافذة الكونية التي يطل منها على العالم.
60 عاماً متواصلة في غرفة أشبه بإصدار حكم بالإقامة الجبرية في مكان محدد، لكن صاحب «شحاذون ومتغطرسون» الرواية التي تحولت إلى فيلم سينمائي لم يكن يعتبر وضعه الحياتي اليومي إقامة جبرية، بل الأرجح أنه اعتاد هذا الفضاء السكني المحدود إلى درجة أن ما سواه من أمكنة هو العدم.
هل كان ألبير قصيري يصدر عن «صوفية» ما في اختياره هذا الشكل من العيش الغريب، أم أن العادة قد تحولت إلى إدمان مكان في حدّ ذاته حتى لو كان مجرد غرفة؟
لم يكن عاشق الإسكندرية (مثل كفافي)، ولكنه لم يعش فيها كما فعل صاحب العبارة الشهيرة: «.. أنت إن كنت قد ضيعت نفسك هنا، قد ضيعتها في كل الأماكن».. رجل أسفار كما يبدو. كان الرصيف، أحياناً مكانه للكتابة. أما الغرفة.. فلا زوجة، ولا أطفال، وربما.. لا أصدقاء.
تتأمل حياة «قصيري» التي تشبه الكثيرين.. فالعالم كله يمكن أن يختزل لمكان صغير، شرفة مثلاً تتزاحم فيها العصافير والذكريات، أو شقة صغيرة يولد فيها الشعر أكثر مما يولد الأطفال، وكان محمود درويش الذي لم يتزوج إلا على «ضفاف الزواج..» يمضي أياماً تصل إلى الأسبوع أو أكثر من دون أن يخرج من شقته في العاصمة الأردنية عمّان.
سألته ذات يوم: لست من رواد المقاهي، وأنت قليل الاختلاط بالشعراء والكتّاب عموماً في الأماكن العامة.. لماذا؟.. فأجاب بسرعة: لكي لا أخترق، وبالفعل كان عبدالوهاب البياتي على العكس منه شاعر مقاهٍ، ويوميات غزيرة بالكثير من الشعراء العراقيين الذين يمموا صوب عمّان في تسعينات القرن الماضي، فكان «مخترقاً» ببعض الأصوات العالية في مقاهي الرصيف.
هل تذكر شارع الحمراء في بيروت في نهايات سبعينات القرن العشرين.. المؤثث بالمقاهي والسلاح أيضاً.. وكان الشعر يكتب على الأرصفة أكثر مما يكتب في البيوت، وكانت أيضاً حقائب الجلد المدلاة من أكتاف الشعراء خزائن للكتابة.. وبلا أسرار.
كانت حياة بالأبيض والأسود تلك الحياة الباريسية لذلك المصري (الأرستقراطي) الذي رفض أن يحمل الجواز الفرنسي، حياة ستينية سبعينية دائمة المراهقة.. يكتفي فيها الإنسان بغرفة واحدة من هذا العالم.. وإن كان (ولابد) يكتفي بقصيدتين لا أكثر، واحدة للحب، والثانية للحب أيضاً.

y.abulouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى