قضايا ودراسات

نقد الذاكرة الجمعية

لا يمكن تصور أمة من الأمم، أو جماعة إثنية أو عرقية أو دينية بدون ذاكرة جمعية. وفي لحظات الخطر الذي يتهدد الأمم والجماعات تبرز هذه الذاكرة الجمعية كرافعة لاستنهاض قوى الجماعة في مواجهة هذا الخطر، حين تستشعر أنها مهددة في وجودها أو ثقافتها، وتنتقل مثل هذه الذاكرة، كما الجينات، عبر الأجيال المختلفة.
ولو عدنا إلى تاريخ حركات تحرر الشعوب من الهيمنة الأجنبية لوجدنا كيف أن هذه الحركات اعتمدت كثيراً في تعبئتها للناس كي يستعيدوا استقلال بلدانهم أو يصونوه، على الغرف من مخزون هذه الذاكرة الجمعية بالذات.
لنأخذ قضيتنا العربية الأبرز، أي القضية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، لنجد أي تأثير للذاكرة الجمعية الفلسطينية المتوارثة في إبقاء جذوة النضال الوطني للفلسطينيين مشتعلة، رغم أن أجيالاً منهم ولدت بعيداً عن فلسطين ولم تشم هواءها، ولكن من المحال نزعها من ذاكرتها، أو نزع هذه الذاكرة منها.
لا يمكن مطالبة أي أمة بالتحرر من مثل هذه الذاكرة، ولا يحق لأي قوة أن تنزع مثل هذه الذاكرة أو تلغيها، وحتى لو جرى السعي لمثل هذا الهدف، فإن ذلك قد يؤتي نتائج مضادة تماماً، أي يستنهض قوى الجماعة التي تشعر بأنها مهددة لنزع ذاكرتها أو إلغائها، للتصدي بعناد وقوة أكبر لذلك.
لكن هذا «التمجيد» المحق والمشروع للذاكرة الجمعية يجب ألا يحملنا على إغفال ما قد تنطوي عليه مثل هذه الذاكرة في الكثير من حالاتها من أساطير وأوهام لا وجود لها في الواقع، فمثل هذا النوع من الذاكرة هو على درجة كبيرة من العفوية، ما يجعل ثناياها معبأة بأخبار وصور، تزداد أحياناً أو تنقص أحياناً أخرى، لا علاقة لها بالحقيقة التاريخية.
ذلك أن هذه الذاكرة الجمعية المتوارثة لا تبقى بالضرورة صافية عبر التاريخ، ففي كل حقبة زمنية تتعرض لأوجه متناقضة إما من التزيين المغالى فيه، أو حتى من التقبيح المضاد، تبعاً لما يراه أهل تلك الحقبة، أو ما تمليه مقتضيات الصراعات التي يخوضونها، ما يجعل هذه الذاكرة الجمعية قابلة للتوسع والتمدد لما يضاف إليها عنوة، أو بالعكس قابلة للتقلص، لحساب ذاكرات أشمل تشكل مظلة واسعة لمتحدرين من ذاكرات عدة، متجاورة في المعيش أو تجمع بينها تجارب وحيوات مشتركة.
من هنا ثمة حاجة متجددة لنقد الذاكرة الجمعية نقداً بناءً، لا بهدف تقويضها وإلغائها، وإنما لتحريرها من الأساطير والأوهام ب «تنقية» التاريخ مما علق به منها، عبر الوعي التاريخي، أو المعرفة التاريخية، التي لا تجعل الأمة أو الجماعة أسيرة قيود هي من صنع أياديها في الكثير من الحالات.
د. حسن مدن
madanbahrain@gmail.comOriginal Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى