قضايا ودراسات

الهوية في الهاوية

عبد اللطيف الزبيدي
داعب القلم ذات مرة الهوية بأن اشتقاقها من «هو»، فلم ير العربيّ أنها هي هو، ولو أرادوا به خيراً، أو أرادوا لها الخير، لاشتقوها من «أنا»، فقالوا «الأنوية» مثلاً. السيئة هي التي اشتقوها من ضمير المتكلم، فقالوا «الأنانية»، بينما الفضائل كلها منسوبة إلى «هو». هذا لا يستقيم بحال في العقلية العربية: المحاسن تُنسب إلى الغائب، والمساوئ إلى المتكلم.
هذا مدخل طيّب، إن شاء الله، إلى مبحث الجفاء الذي يبديه العربيّ للهوية، لأنها لا تهمه شخصياً. العربيّ يمثّل ما بين ثلاثمئة وأربعمئة مليون آدمي. مئة مليون كأنهم احتياطيّ أو كسور أو فائض أو أبناء السبيل أو النطيحة والمتردية، وما أكلت المخططات، أو على قائمة الانتظار، أو في منطقة انعدام الوزن، فلم يُقرر مصيرهم بعد، أو احتمالات أخرى، إذا نسينا أو أخطأنا في حق مئة مليون. على أيّ حال، هم عدد الأميين في أمة «اقرأ» العرب.
لحسن الحظ ليس ذلك عداء للهوية، فالمفردة قاسية بل متجنية. الهوية محترمة تحظى بكل تكريم لفظيّ وتجليل في القرارات والتوصيات والبيان الساحر في روائع الأبواب العالية على مر السنين، المدونة في مطمورات الجامعة العربية. لكن «العداء» لمكوّنات الهوية التي تجعل الطبخة إمّا محترقة وإمّا غير ناضجة. من تلك المكونات اللغة العربية، التي لا يمكن حل مشكلاتها إلا باتفاق الجميع على إحياء المساعي إلى الحلول. ثم إن القضية أبعد من ذلك بكثير، إذ تكمن في انعدام التنمية الشاملة، الذي يحول دون إنتاج العلوم. فوق ذلك أنت أعقل من أن تريد تنمية شاملة من دون بحث علميّ. أسوأ من الكل أن تروم البحث العلميّ، من دون قلب الطاولة على المناهج العربية والإتيان بأخرى تواكب الحاضر والمستقبل. مسلسل طويل ومملّ كسائر المسلسلات العربية.
خذ السيادة، وهي في صدارة شؤون الهوية، ما الذي تبقى من كعكتها في متناول أيدي العرب؟ ليس صحيحاً طبعاً أن كل البلدان تتدخل في الشؤون العربية، فالعالم العربيّ منيع على ميكرونيزيا، ترينيداد وتوباجو، سورينام، ليشتنشتاين، سان مارينو، توفالو، نورو، وغيرها كثير والحمد لله، بفضل مواجهة التحديات. ثمة مشكلات لا يستطيع القلم إهدار المزيد من الوقت في التخبط فيها، كالبحث عن الثقافة العربية المؤثرة في مفهومنا للهوية. البحث عن إبرة في كومة قش بسيط، هذه إبرة في مثلث برمودا. النتائج جلية بلا برهان.
لزوم ما يلزم: النتيجة التربوية: عندما ينشأ العربيّ على أنه هو الوطن والمصير واللغة والسيادة والدفاع والتنمية والثقافة، سينتشل الهوية من الهاوية، لأنها ذاته.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى