قضايا ودراسات

العالم يأتي إلى الشارقة

د. حسن مدن

تستحق الشارقة ويليق بها أن تكون عاصمة عالمية للكتاب باعتراف العالم كله ممثلاً في منظمته الثقافية الأهم، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو)، وبتوصية من هيئات ثقافية وازنة على صلة بالعمل الثقافي والمكتبات وبصناعة الكتاب وتوزيعه، حيث تم اختيار مدينة الشارقة لنيل اللقب في العام المقبل.
استحقت الشارقة، بجدارة، أن تكون عاصمة عالمية للكتاب، كما كانت قد استحقت من قبل أن تكون من أوائل المدن العربية التي اختيرت لتكون عاصمة عربية للثقافة، ومن بعدها عاصمة إسلامية للثقافة، بفضل ورشة العمل الثقافي الدؤوبة، المثابرة في الإمارة على مدار أربعة عقود متواصلة، بقيادة وتوجيه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الرجل المثقف والمؤرخ الذي جعل من الثقافة مدماك التنمية الأساس في الشارقة، وبفضل سياسة سموه هذه بلغت ما بلغته وتبلغه من نجاحات على صعيد التنمية الثقافية.
المدير العام لليونيسكو إيرينيا بركوفا قالت: «أُثني على تسمية الشارقة عاصمة عالمية للكتاب، كما أُثني على الجهود التي اتخذتها المدينة من أجل إتاحة القراءة لأكبر عدد ممكن من الناس، خاصة الفئات المهمشة، واتخاذها قاطرة للدمج المجتمعي والإبداع والحوار».
وفي بيان اختيار الشارقة، جاء: «إن ذلك تمّ بفضل ملف الترشيح الجامع الشامل، الذي يتضمن برنامج أنشطة تقوم على المشاركة المجتمعية، ويحتوي على مقترحات مبتكرة لدمج الأعداد الكبيرة من المقيمين المغتربين».
لم يأت كل هذا من فراغ، ففي الشارقة اليوم بنية أساسية للثقافة لا نظير لها، من حيث عدد المكتبات العامة والمسارح وقاعات العرض التشكيلي ومراكز ثقافة الطفل والناشئة المنتشرة في الإمارة، وتستقطب الشارقة سنوياً عديد الفعاليات الثقافية والفنية الموجهة إلى مختلف الفئات، بما فيها الأطفال والنساء والشباب، وفي الشارقة يقام واحد من أعرق وأهم معارض الكتب، الذي يصنف في مرتبة متقدمة جداً ضمن معارض الكتب العالمية، وغدا قبلة للناشرين والمثقفين والقراء محلياً وخليجياً وعربياً وحتى دولياً.
تظهر تجربة الشارقة بشكل جلي أن الرهان على الثقافة كطريق للحوار والتسامح والتنشئة السوية للأجيال وتطوير الذائقة الفنية وتطوير المهارات الثقافية رهان في محله تماماً، خاصة في هذا الزمن الأهوج الذي يجتاح فيه العالمَ العنف والكراهية واشتباك الهويات، بدل تفاعلها الخلاق، وهي أوبئة لعالمنا العربي نصيب كبير منها، إن لم يكن النصيب الأكبر في وقتنا الراهن.
وسط هذا كله تأتي تجربة الشارقة في الإعلاء من شأن العمل الثقافي، ومن نشر الكتاب والمعرفة وتعميمهما، لتجعل منها واحة وادعة وأليفة تحفل بالجمال والإبداع وبكل ما من شأنه أن يرقى بالإنسان ووعيه وتحضره.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى