قضايا ودراسات

الجراد والنمل

إمّا معجزة أو عبقرية أن تكون نجماً في بلد عدد سكانه أكثر من الجراد والنمل (أكول ومنتج) في الوقت نفسه، مثل الهند التي تتسع لأكثر من مليار و300 مليون من البشر الذين يستيقظون كل صباح على خريطة مترامية الأطراف من الأديان، والعقائد والأساطير والمعتقدات الأرضية التي تصل حدّ الأديان. ومن بين هذا الكوكب الكلّي الرهيب يخرج: طاغور، وغاندي، وأميتاب باتشان، وشاروخان.. فقط.. لا غير.

مصر تقترب من المئة مليون نسمة، ولكن «النسمات» الفنية والأدبية هي الأخرى (فقط.. لا غير). أم كلثوم واحدة لا تتكرر، وسيد درويش واحد، وعبد الناصر واحد، والبقية من الملايين.. أكولة ومنتجة. وكما لو أن الشعوب تتشابه: جراد ونمل، وبين الجراد والنمل قطط سمان وحيتان.
الصين مليارية أيضاً، والنمل والجراد فيها أكثر من الهند، ولكن فيها «كونفوشيوس» فقط لا غير، وكاتب قصة قصيرة واحد لم يتكرر في البلد المحاط بسور عظيم «لوشيون» الذي صنع باللغة القصصية رغيف خبز مطهواً بالدم، واثنان أو ثلاثة فقط وصلوا إلى كرسي «نوبل».
مع الزمن، وتقدّمه في العمر، تقل الدول، ويقل عدد السكان. وكان ما يسمّى الاتحاد السوفييتي مثل حارة صغيرة في الصين، قرابة 295 مليوناً، كانت المعجزة أو العبقرية في خمسة: تولستوي، تشيخوف، ليرمنتوف، بوشكين، وديستوفيسكي.. وأكثر من خمسة، لكن وسط النمل الروسي القليل. لم يكرر تاريخ الأدب نفسه مثل النهر الذي لا تقطعه مرّتين. ومع الزمن أيضاً ينشأ راعي البقر، فيأخذ بـ«حشّ» أقدام الهنود الحمر، ثم يبسط قوّته المستعارة التجميعية على العالم بـ 300 مليون من الرعاة ممتطي الخيول وذوي القبعات الجلدية واللهجة الإنجليزية المستعارة أيضاً من بريطانيا العظمى، واللهجة تتحوّل أحياناً إلى لغة إنجليزية صرفة، يكتب بها «والت ويتمان»، و«عزرا باوند»، فقط لا غير. والاثنان وأكثر منهما يتكرران مع أن الشعب الأمريكي قليل العدد، ولكنه يحب الكتابة وربما ينتحر بسببها، مثل أرنست همنجواي. وأرنست همنجواي واحد من 300 مليون.
على الخريطة الأرضية السكّانية هذه ثمّة جراد ونمل وطيور وأسماك وفراشات ملوّنة. إيطاليا المتوسطية بالنسبة إلى تسمية البحر الأبيض المتوسط، نَبَتَ في ترابها الذي تعلوه شمس باردة دائماً ليونارد دا فنشي. أكثر من رسام لأنه فيلسوف، وأكثر من فيلسوف لأنه باحث في العلوم «علم التشريح». وفي إسبانيا ابنة العائلة الأوروبية، نَبَتَ بيكاسو الذي «كعّب» التصوير، وأضاف إلى الألوان قليلاً من الحليب الأحمر عندما كانت الأمهّات يغرقن في البكاء.
إمّا معجزة، وإمّا عبقرية، أن تكون أنت بمفردك (فقط) الأول الّلامتكرر.. بين الجراد والنمل.. «أكولاً ومنتجاً».

يوسف أبولوز
y.abulouz@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى