قضايا ودراسات

لماذا داحس والغبراء؟

كثيرة هي الوقائع والحروب التي شهدتها الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام بين القبائل لأسباب وبلا أسباب. وكثيرة هي الوقائع والحروب المماثلة التي شهدتها مناطق الشام والعراق قبل الإسلام، وأكثر منها ما شهدته قبائل أوروبا شمالاً وجنوباً قبل أن تتحضر نسبياً وتنجح في بناء دول أنهكتها الحروب إلى وقت قريب. لكن ما يبعث على التأمل ويدعو إلى مزيد من التفكير أن كل تلك الوقائع والحروب التي حدثت في الماضي البعيد هنا وهناك انطوت في صفحات الماضي ولم يعد يتذكرها سوى قلة من المؤرخين الذين يرغبون في تقصي الأحداث القديمة والحفر في مظانها للعلم وحده لا للعبرة أو الوقوف على الأسباب والمسببات، وهو ما يتناقض مع موقفنا نحن من تلك الحروب والوقائع التي كانت عادية وذات أثر محدود في واقع أجزاء محدودة من الجزيرة اندثرت وصارت أخبارها جزءاً من الأساطير.
وعلى سبيل المثال لقد بالغ المؤرخون والشعراء وكتّاب الأساطير في وقائع ما يسمى بحرب داحس والغبراء التي وقعت بين قبيلتي عبس وذبيان وحاول كتّاب معاصرون أن يجعلوا من تلك الحرب المحدودة المكان والمحدودة الأسباب مرجعاً يعكس نفسه على الواقع العربي الحديث وكأن ما يحدث من صراعات ومنازعات وحروب راهنه هي امتداد تاريخي لتلك الحرب التي قامت بين القبيلتين الصغيرتين لخلاف على سباق بين فرسين هما داحس والغبراء، وتطور الخلاف الناتج عن غياب الروح الرياضية وتصاعد النزعة القبلية إلى الحرب التي خاض فيها الشعراء ولعبت العصبية والتعصب دوراً جعل من تلك الحرب معلماً تاريخياً وعلامة على النفسية العربية التي لا تؤمن بالمنطق والتسامح ولا تتردد عن إشعال الحروب لأمور صغيرة وبالغة التفاهة.
وما يهدف إليه هذا الحديث من استدعاء تلك الحرب والتعليق على ما أثارته وتثيره من كتابات وإسقاطات غير صحيحة على الإطلاق، فلا عرب اليوم هم عرب عبس وذبيان، ولا السباق بين داحس والغبراء هو السبب في ما جرى ويجري في غياب تام عن التاريخ العربي كله قديمه وحديثه، وقائعه المؤكدة وأساطيره الملفقة، عرب اليوم يعيشون في فراغ فكري مخيف، يسيرون بلا مشروع جامع ولا رؤية مستقبلية يلتزم بها الجميع ويذعنون لمبادئها بوصفها وثيقة الخلاص من الخلافات وبوابة الخروج من نفق مظلم لا تلوح له نهاية تبعث على شيء من الرضا، وهي حالة من تيه سبق لشعوب كثيرة أن عانت منها وتخلصت من آثارها. فهل حان لشعبنا العربي أن يصحو ويتدارك نفسه بعد أن وصل من التيه والغفلة درجة ما بعدها من مزيد.
وإذا كان له أن يتلفت إلى الماضي فما أكثر المواقف العظيمة الجديرة بالتوقف والاستدعاء، فقد تمكنت الأمة حتى في قرون ما كان يسمى بالانحطاط أن تهزم التتار والمغول والصليبيين، وأثبتت قدرتها على أن تتجاوز ما نزل بها من ضعف وتحوله إلى قوة وما حاق بها من اختلال إلى تماسك، وهي الآن بما تمتلكه أقطارها من قوة بشرية ومادية ومعنوية أقوى منها في أي وقت مضى لولا الخلافات التي يؤججها الأعداء خدمة لمصالحهم وخوفاً من ظهور قطب عربي على المسرح الدولي يحترمه الصديق ويخافه العدو. ولا مناص من إعادة قراءة التاريخ وتخليصه من المبالغات التي أجاد الآخرون الاستفادة من آثارها المغلوطة ونجحوا في إسقاط بعض وقائعها على حاضرنا الذي يخضع لمؤثرات أخرى لا تنتمي إلى ذلك الماضي البعيد وما شهدته أيامه الغابرة من خلافات وحروب قبلية كانت محدودة الحيز والآثار.

د.عبدالعزيز المقالح
abdulazizalmaqaleh@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى