قضايا ودراسات

عجب عجاب

مريم البلوشي

خرجنا كمجموعة لم تلتق منذ سنوات لنلتقي في أحد الأماكن الذي فتح حديثاً، «كافيه» جديد ذاع صيته، كان محطة أولى لنشرب القهوة ومن ثم الانتقال لمطعم في مكان آخر، كان من المستحيلات الحصول على طاولة في هذا الكافيه لشهرته المفاجئة ورغبة الكل بتجربته ويوم «الجمعة» حتى كاد أن يكون من المهمات الصعبة التشبث بطاولة ل 6 أشخاص، تيسرت الأمور وجلسنا نجرب حتى نعرف السر، كنا نلتفت يمنة ويسرة، وقد عج المكان فقط بأشباه البشر.
الكل في كامل زينته التي في اعتقادي الشخصي ليست لمقهى أو مطعم بل لمناسبة شخصية أو حفلة عائلية أو حتى أصدقاء، لكن الموجودين كانوا نسخة من بعضهم في تقليد أشكال الموضة في الملبس والزينة، لم أكن أرى في الوجوه التي أتطلع إليها صفة حية، فالهواتف قد قضت على آخر حقائق التواصل والحديث، ما إن يدخل أحدهم حتى يبدأ التصوير وعرض كل ما على الطاولة والمكان، ومن ثم ينشغل بما قد تصله من ردود وتنتهي الجلسة. لكن يبقى السؤال، لم كل هذا التفاوت والمبالغة في الملبس والزينة؟ ولم كل هذه السطحية في مجرد الوقوف في طوابير في انتظار طاولة ومن ثم نسيان من جئنا معه، وأعتقد لن يحس أحدهم بذلك فكل من على الطاولة متشابهون، مغيبون.
لم يكن المطعم الذي ولجنا إليه بيئة مختلفة، رغم أننا قررنا أن نستمتع فيه كمجموعة، لكننا تعجبنا وتحدثنا عن زمن لا يفرق فيه البشر بين الموقف والمقام وحاجة كل وقت ومكان لما نسميه «بلبس وزينة النهار والليل والمكان». أصبحنا اليوم غارقين بتتبع موجات التواصل الاجتماعي التي جعلت من الكل يتباهى بما لديه وينسى أن الحقيقية هي في التواصل الحقيقي، مشاعرنا وأحاسيسنا، تسجيل ذكريات للمستقبل ذكريات حقيقية نتحدث فيها عن بعضنا ونسمع لبعضنا، مواقف حين نتذكرها نضحك ونعيشها كأنها تحدث الآن، ماذا سيتذكر أصحاب الأصابع التي لا تتوقف عن الطرق على شاشات الهواتف، وماذا سيتذكر أهلنا عنا، حين نجلس معهم ولا نتحدث إليهم، تلك الجدة وذلك الجد اللذان صرنا نقصر في حقهم، وحين يرحلون، نعود ونبحث في هواتفنا عن صورهم.
أصبح الإدمان الجديد يقتل من حولنا ويقتل فينا إنسانيتنا وحقيقتنا كبشر خلقنا الله لنتواصل، يقتل فينا حقيقة الحياة والاستمتاع بها، أصبح أرشيف الصور مليئاً بلقطات غير حقيقية فقط لأنها أخذت من وقتنا الكثير حتى نضبط الزوايا ونخرجها بصورة بهية لكنها خالية المحتوى والموقف.
صار الإدمان الذي ولجنا إليه اليوم يحتاج لإعادة نظر، الموضة، المبالغة في الزينة، التواصل الاجتماعي، جعلت منها فقط آليات تتحرك دون هوادة، هل يجب أن نتوقف قليلاً مع أنفسنا ونرى ماذا بقي في عمرنا وحياتنا حتى تسرقه هذه السطحيات؟

Mar_alblooshi@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى