قضايا ودراسات

موسم الفرح

في العيد ينعتق القلب من همومه ليهيم في ملكوت آخر ويتقلب في نعيم القرب بحثاً عن وصل آخر لا يعرف لذته إلاّ هؤلاء الذين ذاقوا طعم البهجة وعرفوا قيمة الضوء الذي يطل على النفوس بعد أن يتفلت الخيط الأبيض من الأسود في صباح يوم الفرح، وقد فجر الصوفيون منابع شعرية عذبة، وجددوا في الشعر وغيروا خارطته بمواجده المحفوفة بتجلياتهم الباهرة، يقول أحدهم:
الدَّهْر لي مأتم إِن غبت يَا أملي
والعيد ما دمت لي مرأى ومستمعا
والشاعر إن لم يعش منطلِقاً تاركاً روحه تقوده إلى المعنى بحميمية فلن يصل لشيء، وفي هذا اليوم الباسم تتجدد منابع الإبداع وتتحدث القصيدة بشكل تلقائي، وكلما عزم شاعر على ألاّ يقرب الشعر، لفحه الوجد وغرّد به في لحظة غير متوقعة، واقتراب الشاعر من اللغة الشعرية في العيد فتمتلئ روحه باللغة الصافية المدهشة التي تقف شامخة مثل الجبال، هذا الامتلاء يجعل الشاعر يفيض فتأتي القصيدة على غير هوى، وقد عرفت شعراء ظنوا أنه ليس بوسعهم كتابة الشعر في أيّام الأعياد، لكن المفاجأة أن كثيراً منهم اعترف لي بشكل شخصي أنهم كتبوا أجمل الشعر في مثل هذه المناسبات، وليس غريباً أن يبدع الشاعر في العيد لأنه أقرب إلى روحه ووجدانه ويلهمه اللغة والنغم والصفاء الذهني والبصيرة البعيدة، وبعض المبدعين في الأنماط الأدبية الأخرى مثل الرواية والقصة والمسرح وغيرها يؤكدون أنهم ينجزون مشروعاتهم الأدبية في مناسبات مماثلة، وقد درجنا في الإمارات على أن نعيش موسماً شعرياً خاصاً تتألق فيه الكلمة من خلال المجالس الشعرية والمنتديات والفعاليات التي تقيمها المؤسسات الثقافية الرسمية والخاصة التي يجتمع فيها الشعراء وتنطلق القصائد المعبرة في فضاء العيد وكأنها لوحات من الأمل النابض يعيد تشكيل اللغة ويجدد حياة الشعراء في مساجلات غاية في الثراء، ويكتمل المشهد من خلال البرامج الإذاعية واللقاءات التلفزيونية والأمسيات الشعرية.
الإمارات تعيش عرساً إبداعياً آخر في العيد، ويتجلى الشعر بوضوح في إمارة الشارقة التي جعلت من الثقافة رئة تنبض، ولذلك فكانت أنشطتها التي تخترق الحواجز إلى أنوار من الشعر الخالص والإبداع، وكان للمؤسسات الخاصة بالشعر كبيت الشعر ومركز الشارقة للشعر الشعبي موعد مع مبدعين تتحرك أفئدتهم نحو القصيدة وجمهور يمتلئ بالرغبة الحقيقية في أن يستمع إلى قصيدة تهز الوجدان وتطرب الآذان وتستمع إلى تلك الطيور المحلقة في سماء الشعر التي تجعلنا نهرب من ماضينا وحاضرنا ونترك أرواحنا على الأرض ونحلّق مع الشعر الذي يحتاج إلى هذه الأجواء الصافية الممتعة التي يسرق فيها الشعراء السمع إلى اللغة بكل تنويعاتها الموسيقية وألحانها الشجية وصوتها الحنون الذي يغمر النفس بهجة ويعبر بالروح إلى سماء تحتفل بالإنسان في هذا الموسم الذي تتضافر فيه كل ألوان الإبداع، فالشعر إبداع روحي عظيم، وسفر إلى عالم الجمال وقراءة للواقع والمستقبل بلغة رشيقة شفيفة تأخذ النفس طواعية لتدخلها في مدن من الدهشة وأجواء من النغم والانسجام الذي يفيض من خلال أنّات الشعراء وألحانهم ليملأ الوجدان بصورة الجمال والكمال الشعري العميق الذي يفجر الكلام ويطلق القصيدة في فضاء تتحول فيه إلى عصفورة مغردة أو نجمة ليلية تصطاد عشاقها.
إنني أؤمن أن الشعر قادر على أن يغسل النفس ويطهر الأرواح ويصفي النفوس ويقرب المجتمعات ويكشف لها سر الحياة الجميلة النابتة من الفطرة السليمة التي ترفض الحقد والضغينة والتطرف والإرهاب، وتعمل من أجل أن يحتفل البشر بالفرح والعيد.

محمد عبدالله البريكي
hala_2223@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى