قضايا ودراسات

مستقبل الصحافة الورقية

د. مصطفى الفقي
يثور جدل متصل حول تأثير التطورات المعاصرة لتكنولوجيا المعلومات على مستقبل الصحافة الورقية، بزعم أن الكتابة الإلكترونية قد بدأت تزحف على معظم مصادر المعرفة، إلى حد أن البعض قد بدأ يتنبأ بزوال الصحافة الورقية بعد عقود قادمة، أو ربما سنوات غير بعيدة، خصوصاً وأن الأجيال الجديدة قد تعودت على مصادر معرفة تختلف عن تلك التي تعودت عليها أجيالنا، عندما كنا ننتظر الصحيفة الورقية كمصدر له مصداقية، يكاد يصل إلى حد (الوثيقة). ومن لم يتمكن من قراءة الصحيفة في أحد الأيام لسبب أو لآخر كان يشعر بأنه مستبعد من دائرة الأخبار والمعلومات، ومعزولٌ عن أحداث الداخل والخارج، أمّا اليوم فالشاب أو الفتاة ينكفئ على جهاز صغير يعبث فيه بأصابعه فتأتيه أخبار الدنيا طيَّعة ومباشرة، ويستطيع أن يقلب فيها وأن يختار منها، لذلك فقد نعى الكثيرون الصحافة الورقية، وبدأوا يستعدون لقراءة الفاتحة عليها وعلى أقطابها، ولنا هنا وجهة نظر قد نختلف فيها مع التيار العام في هذا السياق، نوجزها في الملاحظات التالية:
أولاً: إننا نتحمس لكل جديد، ونرى أن الحياة تتطور بالضرورة إلى الأمام، وأن الجديد أحياناً يلقى مقاومة شديدة من الحرس القديم، ونظن أن عصر التكنولوجيا الحديثة، قد أفاد البشرية واختصر أمامها أشواطاً طويلة على طريق التقدم، وما زلنا نقرأ عن تأثير اختراع الطباعة على أجيال العصر الذي ظهرت فيه، وكيف كان البعض يتوهم أنها سوف تقضي على الملكات الفردية وتطيح بالخيال الرحب، بل وتؤثر على الإبداع ذاته، وها نحن ندرك، اليوم، أن اختراع الطباعة كان نقلة نوعية في تاريخ الأمم والحضارات، بل إن الأفراد، علماء ومفكرين، قادرون على صياغة المستقبل والتحضير له.
ثانياً: إن ارتباط جيلي بأوراق الصحيفة، وقبلها صفحات الكتب، ليس أمراً يسهل نسيانه، فأنا شخصياً، مثل الملايين، قد يحصلون على المعلومة السريعة من جهاز إلكتروني صغير، ولكنهم يتجهون في الوقت ذاته نحو الصحيفة الورقية بحفاوة زائدة وشغف شديد، وكأن رائحة الورق ذات تأثير خاص على أجيال ارتبطت به وعاشت معه، كذلك فإن الصحيفة الورقية تبدو كالوثيقة الثابتة، التي لا تختفي من أمام أعين القارئ الذي تربطه بها ألفة شديدة، جعلت للورق أهميته، حتى أن رائحة الورق التي يعرفها الصحفيون والناشرون وعمال المطابع ما زالت تباشر تأثيرها الذي يصنع علاقة تكاد تكون عاطفية بين القارئ والصحافة الورقية، لذلك فإنني لا أظن أن الصحافة الورقية سوف تغرب تماماً عن عالمنا، نعم.. هي تخضع لمنافسة كاسحة أمام جحافل تقدم وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الإنترنت، وفيض المعلومات الدافق في كل الاتجاهات ولكنها تبقى تحت الطلب دائماً، وإذا كانوا قد قالوا قديماً (إن خير جليس في الزمان كتاب)، فإننا نقول إن أصدق مصدر للخبر لا يزال هو الصحيفة الورقية.
ثالثاً: ما زلت أتذكر أثناء دراستي للدكتوراه في جامعة لندن، وترددي اليومي على مكتبة المتحف البريطاني ومركز الوثائق الرسمي للدولة، أن كان أمامي وقتها مصدران أولهما أن أقرأ المراسلات المتبادلة بين الخارجية البريطانية وسفاراتها في الخارج، خصوصاً القاهرة، من خلال شاشة متواضعة في جهاز يجري تحريكه باليد، وفقاً لتكنولوجيا السبعينات التي لا تقارن بما نحن عليه، كما كان أمامي طريق آخر، هو أن أطلب تصوير صفحات معينة أحددها وأدفع مقابلها الزهيد، وأمسكها بيدي كي أقرأها، في الوقت الذي أريد، من دون التقيد بزمان أو مكان، وما زالت تلك الصفحات مرجعاً أعود إليه حتى الآن.
رابعاً: إننا نلاحظ في السنوات الأخيرة أنه رغم انتشار المواقع الإلكترونية التابعة للصحف المختلفة، بل والتي حل بعضها بديلاً للصحف ذاتها، نلاحظ أن الصحافة الورقية، ما زالت تجاهد في البقاء، ولا يبدو لها نهاية في المنظور القريب، بل إن الصحف الورقية التي توقفت لأسباب مالية ربما تتصل بسعر الورق، ما زالت تحتفظ بوجودها، وأعداد قرائها رغم وجود كل الأدوات الإلكترونية الحديثة، متاحة للجميع تقريباً، إن الخبر قد تستقيه إلكترونياً، ولكن الرأي تفضله ورقياً، لذلك فالنهاية ليست حتمية على الإطلاق للصحافة الورقية.
خامساً: يجب ألّا ننسى أن الصحافة الورقية تراث قائم، ارتبط بأعلام وأسماء استقرت بذاكرة الأجيال، لذلك لا يمكن الاستغناء عنها أو محوها بأية أدوات جديدة، مهما كان بريقها وشدة تأثيرها، فالإنسان هو الذي صنع الصحافة الورقية، وأيضاً الإلكترونية، لذلك فإنني أزعم أن الاثنين سوف يمضيان، ويحتل كل منهما نسبة من اهتمام القراء، وفقاً لعوامل تتصل بطبيعة كل جيل، ومقتنيات كل عصر، وستبقى الصحافتان الورقية والإلكترونية تدعمان فيض المعرفة وتدفق الخبر، من دون توقف أو زوال.
لا نقول وداعاً للصحافة الورقية، وربما لن نقولها أبداً، فهي سجل الأحداث وديوان الحياة المعاصرة كما سمى المؤرخ الراحل، يونان لبيب رزق، صحيفة الأهرام منذ عدة عقود.. تحية للصحافة بكل أنواعها ورموزها وشخوصها، ومرحباً بالعناق بين الأجيال التي لن تفرط في تراثها الإعلامي وأرشيفها الصحفي أبداً.Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى