قضايا ودراسات

الاستثمار السياسي الخاسر

د. حسن مدن
المؤمل أن يكون النظام الرسمي العربي بعد كل هذه الكوارث التي وصل إليها عالمنا العربي، والخراب الذي عمّ ويعم حولنا، قد استخلص خطورة الاستثمار في الإسلام السياسي كورقة من أوراق اللعبة السياسية، بتحويله قوى هذا الإسلام إلى مطية لبلوغ غايات معينة، ظناً منه أن هذه القوى ستظل مجرد مطية، يتم الاستغناء عنها بعد استنفاد دورها.
لن نتحدث عما جره ذلك من أهوال على الشعوب العربية التي وجدت نفسها في أتون حروب مدمرة ومذابح، وفتن طائفية ومذهبية، وتدمير لمدن عريقة يعود تاريخها لقرون، ولن نتحدث عن مقادير الردة الحضارية التي اجتاحت مجتمعاتنا بسبب مساحات التأثير التي منحت لهذه الجماعات، فأحالت الحياة إلى سلسلة لا تنتهي من المحرمات، وصادرت الحيز المتاح من الحداثة العربية الذي بلغناه بفضل تضحيات أجيال من أهل التنوير والنهضة.
لن نتحدث عن ذلك لأنه جلي للعيان، وموضوع أحاديث لا تتوقف، وإنما نعيد التذكير بما آلت إليه الأوضاع داخل النظام الرسمي العربي الذي استثمر في قوى الإسلام السياسي وما وجده من تحدٍ حين بات هو نفسه مستهدفاً من الثعابين التي رباها، وسهّل لها سبل التكاثر، فلم تعد تستهدف من أراد لهم النظام الرسمي العربي استهدافه فحسب، وإنما أدارت أسلحتها لمن مكَنها ودعمها.
لم يكن الإسلام مهدداً في أي لحظة من لحظات الحداثة العربية، بل إن قادة التنوير والنهضة العرب، نجحوا في أن يجعلوا منه أحد روافع هذه الحداثة ومحفزاتها، حين دفعوا بالجوانب العقلانية في التراث إلى الصدارة، ولم تكن المجتمعات العربية، قبل استشراء الإسلام السياسي، مجتمعات «جاهلية»، على نحو ما ذهب سيد قطب وتلامذته الذين تناسلوا وتفرعوا وتوزعوا على أكثر من جماعة، بل إن «الجاهلية» الحقيقية التي تسوغ قطع الأعناق وتفجير المفخخات في صفوف الأبرياء، حتى لو كانوا سجداً في بيوت الله، وسبي النساء وبيعهن في أسواق النخاسة عادت مع تغوّل الأجنحة الأشد همجية وعنفاً وغلظة من هذه الجماعات.
ما تحتاجه بلداننا هو الذهاب في طريق العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية مع الشعوب، ومحاربة الفساد والعبث بالمال العام والاستحواذ عليه، ونشر التعليم العصري المتقدم بافتتاح الجامعات والمعاهد التي تعد عقولاً متفتحة تليق بالقرن الحادي والعشرين وما بعده، وعدم التلكؤ في الإقدام على الإصلاحات الضرورية في وقتها، لأنها وحدها التي تحمي المجتمعات من مخاطر الانفجارات الفجائية، التي تقلب الأمور عاليها سافلها على نحو ما رأينا مرأى العين.
هذا هو الطريق القويم الذي يجب اتباعه، الذي سيجعل النظام الرسمي العربي في غير حاجة لأي صنف من صنوف الاستثمار في قوى يظن أنها ستجنبه استحقاقات لا بد منها.

dr.h.madan@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى