قضايا ودراسات

عن الهويات الوطنية العربية

ليست كل الدول العربية الوطنية القائمة اليوم هي نتاج تقسيمات سايكس – بيكو. هناك كيانات وطنية سابقة لهذا التقسيم، واستمرت، كما هي، بعده، ولكن حتى لو تناولنا الدول التي نشأت على ضوء سايكس – بيكو، رغم معرفتنا بخلفيات ذلك التي جاءت متناغمة مع مصالح الضواري الاستعمارية التي كانت تحكم القبضة على المنطقة، فإن هويات وطنية قد تكرست وتعمقت بعد قيام هذه الدول، لا يمكن إلغاؤها بجرة قلم، كما يرغب في ذلك اللاعبون الدوليون والإقليميون ووكلاؤهم المحليون في كل دولة من هذه الدول.
لم يعد مستساغاً ولا مقبولاً بالمنطق القول إن دولاً مثل العراق وسوريا ولبنان والأردن وغيرها دول مصطنعة، يجب تفكيكها وإعادة بنائها، أو تركيبها بما يخدم التوازنات الاستراتيجية الجديدة في المنطقة. وبعبارات أوضح علينا القول إنه تشكلت على مدار ما يقارب القرن هوية وطنية عراقية وأخرى سورية وثالثة لبنانية ورابعة أردنية وهكذا دواليك، وهذه الهويات هي على درجة من الرسوخ والثبات بحيث يصعب للغاية حمل أصحابها على قبول أنه لن تعود لهم مثل الهويات بعد اليوم، لأن الكيانات الوطنية التي كانت تنتظم فيها لن تعود قائمة.
وجود العرب والأكراد والأقليات القومية الأخرى في وطنٍ واحد مثل العراق، مثلاً، لم يحل دون أن ينجح هؤلاء جميعاً في بناء دولة وطنية واحدة، ولم يكن الناس حتى قبل عقود قليلة يفرقون بين السنة والشيعة، بل إن الكثير من العشائر العربية هناك تضم في صفوف كل واحدة منها سنة وشيعة، دون أن يثير ذلك استغراباً أو حفيظة.
ما يقال عن العراق يصح بنسب مختلفة على كيانات وطنية أخرى مثل سوريا ولبنان، حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون، السنة والعلويون والشيعة وغيرهم، وفي الأردن اندمج السكان من أصل فلسطيني في الهوية الوطنية الأردنية المشتركة، رغم ما تعنيه فلسطين لهم.
ويحضرني في هذا السياق منشور للأديبة الفلسطينية سلوى الجرّاح التي نشأت وتعلمت في العراق، تفند فيه بعمق مقولة أن العراق دولة غير متجانسة، حيث تساءلت: «ألم يقدم العراق أجيالاً من المتعلمين، من كل فئاته غير المتجانسة؟ ألم يخرج منه شعراء وتشكيليون قادوا مدارس الشعر والفن التشكيلي في العالم العربي منذ الخمسينات؟ ألم تكن جامعة بغداد واحدة من أهم الجامعات العربية، وتخرجت منها أجيال من حملة الشهادات العلمية والأدبية؟ هل يمكن أن ننكر أن الأطباء العراقيين من أنجح الأطباء العرب، ويعملون في أهم مستشفيات العالم؟ كيف إذاً حقق هذا البلد المهلهل الذي كان من أخطاء معاهدة سايكس – بيكو بعد الحرب العالمية الأولى كل هذا النجاح؟».
ما قالته السيدة الجرّاح عن العراق يصح على كل كيان وطني عربي يُستهدف وجوده اليوم.

د. حسن مدن
dr.h.madan@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى