قضايا ودراسات

همبرغر في هامبورغ

عبد اللطيف الزبيدي
هل تجد صعوبة في فهم سياسة الولايات المتحدة؟ بسيطة، إذا أردت أن ترمقك بعين الرضا، فكن بين دفتي الهمبرغر. ديمقراطيتها تمنحك خيارات واسعة: إذا لم تكن اللحمة، لقلة مواردك البروتينية، فلا توحش النفس، كن الجبنة أو الخسّ أو الطماطم أو الخيار، وأضعف الإيمان الكاتشاب.
قمة العشرين في هامبورغ، تطرح مشكلة عملية لواشنطن، التي تفكّر كالعادة بعضلاتها وأسنانها. هي ترى كل شيء على هيئة همبرغر، وجبة سريعة، بقضمتين«تخلص الحدّوتة». عاديّ أن تلتهم واحداً ذا طبقتين أو ثلاث. لكن، ليس من السهل أن يتسع الفكّان لهمبرغر ذي عشرين طبقة. ثم إن مطبخ الحياة لا يخلو من المنغّصات، التي تجعل البرغر يختفي ويبقى الهمّ. بمرور العقود اكتشفت واشنطن أن بعض وجبتها السريعة المفضلة صار فولاذاً أو «كنكريتا» أو أسلاكاً شائكة تتسمّر في الحلق.
المصافحة في محفل قمّة العشرين «مصافعة». ترامب وبوتين، كلاهما في ذهنه المتنبي مقهقهاً: «ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى.. عدوّاً له ما من صداقته بدّ». نكد النكد أن يرى ترامب، وهو ذو الأصول الألمانية، المضيفة ميركل في مسقط رأسها هامبورغ، مواقفها أقرب إلى سيّد الكرملين منها إلى صاحب البيت الأبيض. كمد الكمد أن يبصر الدبَّ مع التنين، وقد وقّعا لتوّهما أربعين اتفاقية استراتيجية. التنين له في الدماغ طنين، فالثنائيّ قطع الشهية إلى الهمبرغر في هامبورغ بالقول: «إن كوريا الشمالية ستوقف تجاربها النووية إذا أوقفت الولايات المتحدة تجاربها»، ما يعني أن المثل انتهت صلاحيته: «لا يقاس زيد بزيد»، أي أن زيد واشنطن لا يستطيع أن يضرب عمرو بيونغ يانغ.
تجول واشنطن ببصرها في الحاضرين، فيقع على وفد طوكيو: نظراتهم تشي بأنهم يستعيدون مشاهد حرارة المناخ في هيروشيما وناجازاكي. هذا الرئيس الفلبيني طويل اللسان، لا شك في أنه أخذ الفن عن الحطيئة وابن الرومي. أمّا ذلك المكسيكيّ فلا يفكر في غير الجدار. لكن ذلك الهنديّ يبدو هادئاً كأنه في تأملات النيرفانا، لكنه دسّ ألواناً من الفلفل اللاذع بين طبقات الهمبرغر، وهو يرشق رئيسة وزراء بريطانيا بنظرات تاريخية تقول: «كبرت العيال»، الآن عصر «مدرسة المشاغبين». حتى ماكرون تمرّد على تربية عائلة روتشيلد. تلك البرازيل «البرُّ أُزيل» منها، والأرجنتين لم نشتمّ من مواقفها «أرج التين». إيطاليا صار قوامها كالسباجيتي لا يعوّل عليها. كل ذلك هيّن، إلا تركيا، فهي في الناتو وقلبها مع روسيا. شيء يجعل مناخ الدماغ يغلي.
لزوم ما يلزم: النتيجة اللغوية: من ينتظر من الهمّ البرَّ فهو غرّ.

abuzzabaed@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى