قضايا ودراسات

ثنائيات

شيخة الجابري

هل يمكن للإنسان أن يعيش بمفرده منزوياً، خاوياً إلا من بعض ذكرياته؟ وهل يمكن للمرء أن يحيط نفسه بهالة من الكتمان والسرية؟ أم أن الحياة غير ذلك.
أظنها غير ذلك، فالحياة اثنان رجل وامرأة، يعملان على صنع التاريخ وعلى أبجدية الحياة بطريقتهما الخاصة، ولأن الحياة اثنان.. فكل شيء فيها اثنان، الخير والشر، الحب والكره، السعادة والشقاء، الذهاب والعودة، النوم واليقظة، الصحوة والغفوة، الصدق والكذب، التواضع والغرور، الهدأة والثورة، الضحك والاكتئاب، الفضيلة والرذيلة. إذاً، كل شيء في الحياة اثنان، يتواجد أحدهما مع الآخر، وحتى تستمر الحياة كما نريدها لا بد أن نكون نحن كأفراد جزءاً من الآخر، نعيش معه، نتألم لألمه، نسعد لسعادته، وإلا أصبحنا كمن يقذف بنفسه في جزيرة نائية بعيداً عن البشر وعن الحياة، وهو في جزيرته، معزولاً عن العالم، ستسقط منه أشياء كثيرة، وسيغدو كابن طفيل فاقداً حس الإنسان، ومحتفظاً بشكله فقط.
من هنا نصل إلى حقيقة وصل إليها ابن خلدون قبل مئات السنين، حيث قال «الإنسان اجتماعي بطبعه ولا يمكن له في هذه الحالة أن يعيش منعزلاً عن الآخرين فقد تعوّد المشاركة، والشعور بالآخر، ولكي يستمر في عطائه، فالأمر يتطلب توافقاً بينه وبين بيئته التي تشرّب منها الكثير من القيم والمبادئ غير القابلة للنكوص أو التروي».
أعجب من هذه الحياة.. من الذين يعيشون لأنفسهم فقط، متناسين أنها لا تستقيم دون العطاء، وهو أسمى قيمة يمكن أن نتعلّمها، وأجمل صفة يمكن أن نتحلى بها، إن مارسناها وآمنّا بأن ما في أيدينا ليس ملكاً لنا وحدنا، فالله سبحانه وتعالى حين أعطى بل وأجزل العطاء ليس من أجل أن نقبض على ما منحنا، ولكن من أجل أن نجعل للآخر نصيباً فيه، فسعادتنا لن تستقيم إن لم نسعد الآخرين، ولا أتصوّر حقيقة أن يبيت إنسان مرتاح الضمير وهو يعلم أن بالقرب منه شخصاً يعاني جوعاً، أو خوفاً، أو فقراً.
السعادة الحقيقية تتجلى في إسعاد الآخرين من حولك، في رسم ابتسامة على شفة طفل حزين، وفي قضاء حاجة لإنسان عزيز النفس، صاحب كرامة لا يقبل التنازل عنها، أو التخلي مهما كانت المغريات.
إذاً، ماذا نريد من الحياة، أظن أننا نبغي من حياتنا شعوراً متكاملاً بقيمتنا وأهميتنا كبشر، نحرص على الآخر، أو على الثنائي بداخلنا كي نصل إلى مرحلة الكمال، أو على الأقل بعض الكمال، لنغفو مطمئني البال، راضي النفس، مرتاحي السريرة.
فهل نفعــل؟

Qasae21@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى