قضايا ودراسات

وجوه البشر

مريم البلوشي

هل يمكن أن تكون وجوه البشر مرآة تعايش؟ هل يمكن لك أن تتخيل القصص التي تخفيها كل تلك الملامح بعضها النقي وبعضها خلف مساحيق التجميل وبعضها حول التكلف والتباهي؟ هل يمكن أن ندرك الفرح والحزن وما يتكبده صاحب الضحكة العالية؟ والهدوء والرضا لمن يتأمل ويعيش بهدوء حتى في صخب من حوله؟
وجوه البشر قصص وحالات لا يمكن أن تكون هي الحقيقة الفعلية في كل الأوقات، فكم نخطئ في حقوق الناس حين نحكم عليهم من صورهم وبعض ملامح وقتية عابرة ليست سوى موقف مرّ بسرعة، فما أن تكتب الأقدار أن نلتقيهم حتى نقول في أنفسنا «كنت مخطئاً».
وجوه البشر اليوم هي حالة معقدة من تراكيب وانعكاس ضمني وغير صحيح أحياناً لحياة يمر بها كل منّا، نحاول ألاّ نكون سوى صورٍ مخالفة حتى لا نزعج من حولنا بما نحمله في داخلنا، وقد أصبحنا في زمن الماديات جلّ ما نحاول أن نظهره أننا بخير، وأصبح الشغل الشاغل لنا في وسائل التواصل الاجتماعي أننا سعداء وبخير، وهذا لا يعاب، ولا ننكره، وكثيرون يقولون «لا أريد أن أشارككم أحزاني، ولست سعيدة طوال الوقت»، هم اختاروا أن يشاركوك بعضاً من تفاصيلهم، وحتى هذه التفاصيل لا يمكن أن تكون حقيقة حياتهم طوال الوقت، فالبعض يحاول أن يكون مريحاً فرحاً، علّه يغير في قلب أحدهم حزناً يمر به، ولعله بفرحه الحقيقي والمصطنع يضفي عليك سعادة حقيقية.
وجوه البشر حين تجلس في «مطعم» أو «مقهى»، ترمق الكل وتحاول أن تقرأ القصص، كنت أشاهد أحدهم ذا وجه شارد يفكر وقد صار الوجوم والقلق مسيطراً عليه رغم الهدوء والراحة التي تبدو عليه ملامحه، حتى ما إذا دخل أطفاله صار الحال غير الحال ولم يعد من كان، بل أصبح رجلاً سعيداً في حالة من الامتنان. وحالة أخرى وجهها رغم كل المساحيق والألوان متجهّم مشدود يبدو عليها التعب وتعسر الحال، لم يتبدل وجهها ل30 دقيقة، لا بد أن أمراً يشغلها، لكنها في مكان عام تحتسي قهوة مع ربما من تحب من زوج، فكيف يبقى الوجه كما هو؟ هل تحليلي حقيقي؟ لا أدري. ولا يجب أن أحكم؟
ليس من حقي أو حقك أن نحكم على وجوه البشر، أو نتوقع ما يجول فيها، نحسن الظن، ونراهم، لربما نألف القصص حتى نستثير خيالنا، لكنها ليست حكماً عليهم، تبقى وجوههم لها ما لها من جمال وحياة، وحتى أسرار ومتاهات، نبقى نحن بشر ذوو ملامح تتغير وتتلون، حتى تصير صورنا الشخصية في كل مرة وجوهاً جديدةً وتصبح القديمة صوراً لا نعرفها.

Mar_alblooshi@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى