قضايا ودراسات

ساعتان تحلان أزمة

«حان الوقت للعمل مع روسيا بشكل بنّاء».. عبارة يمكنها أن تغير مسار المشهد في منطقة الشرق الأوسط، ويمكن لها أن تضع حداً للخلافات الدائرة بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في الملف السوري وغيره من الملفات الساخنة في العالم، وربما كانت كلمة السر وراء اتفاق وقف إطلاق النار في الجنوب السوري، والذي دخل حيز التنفيذ بدءاً من يوم أمس.
العبارة أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد ساعات من سلسلة لقاءات جمعته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتعكس حالة من التوافق بين الكبيرين في المسرح العسكري والسياسي العالمي، بعد سنوات من الاقتتال في الساحة السورية أدت إلى مقتل وجرح مئات الآلاف من الأبرياء.
يتفق الكبار أصحاب القرار في حالات الحرب والسلم في لحظات، وقد كانت الساعتان اللتان جمعتا الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب على هامش قمة العشرين، التي انعقدت في هامبورج الألمانية كفيلتين بوضع النقاط على الحروف في دروب الأزمة الطاحنة التي تشهدها سوريا منذ العام 2011، وقد يكون اللقاء الذي جمع الكبيرين بداية النهاية للحرب في هذا البلد، الذي تعطلت فيه كل حواس سياسييها بمختلف شرائحهم، الحاكمين والمعارضين على السواء، إلا من حاسة واحدة وهي الرغبة في القتل والدمار، وقد كان لهم ما أرادوا.
مرة أخرى يثبت الكبار في مسرح السياسة والحرب أن كثيراً من الدول تعد مجرد بيادق في لعبة شطرنج، يحرك اللاعبون الكبار جنودها كيفما شاؤوا، وقد أسهمت الدولتان الكبيرتان، ونقصد هنا روسيا والولايات المتحدة في سفك الدماء على خريطة الوطن العربي كله، واختار كل منهما ساحة لتصفي حساباتها مع الأخرى، وليست هناك من مبادئ تحكم العلاقات بين الدول بقدر ما تحكمها المصالح، فروسيا عندما وجدت أن مصالحها في ليبيا محمية وافقت على ضربها بقرار من مجلس الأمن الدولي عام 2011، وعندما وجدت أن مصالحها متضررة في سوريا قاومت حتى آخر رمق وأعادت النظام السوري من فم الأسد إلى حضن «الأسد»، بعد أن كان على وشك الانهيار، فقررت التدخل بكل ثقلها، وأقامت ثلاث قواعد عسكرية، ساعدت في إعادة النظام من جديد إلى المعادلة ومن ثم المبادأة.
والحال نفسه مع الولايات المتحدة الأمريكية التي أنقذت حلفاءها من هزيمة ساحقة كانت كفيلة بإنهائهم من الخارطة، فتدخلت لمساعدتهم لتبقى هذه «المعارضات» بوابة للدخول إلى سوريا والبقاء فيها لفترة أطول.
وبالطبع فلا روسيا ولا الولايات المتحدة يهمهما سوريا ولا مصلحة الشعب السوري، بقدر ما يهمهما إيجاد موطئ قدم لهما في المنطقة.
وقف إطلاق النار في الجنوب السوري، وشمل درعا والقنيطرة والسويداء، الذي تم التوصل إليه بعد لقاء الرئيسين بوتين ترامب، دليل على أن هذه الاتفاقات يكتب لها النجاح عندما تجتمع المصالح، وبالتأكيد فإن هذه المصالح ستكون صعبة التحقق في حالة جمعت أبناء بلد واحد، كما هو الحال في سوريا واليمن وليبيا والعراق، فأبناء هذه البلدان وغيرها يأكلون بعضهم بعضا، ولديهم الاستعداد للقتال لعشرات السنين، ولو بالسكاكين البيضاء في حال نفذت ما لديهم من أسلحة وذخائر.

صادق ناشر
Sadeqnasher8@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى