قضايا ودراسات

أقسى الشهور

خيري منصور

رغم مرور أكثر من قرنين على الثورة الفرنسية بقي عيدها الوطني مقترناً بالرابع عشر من تموز، رغم كل ما طرأ من تحولات إمبراطورية وما شهدته الجمهوريات الفرنسية الخمس، وفي عالمنا العربي شاءت المصادفة ولا نقول القدر أن تحدث أشهر الانقلابات والثورات خلال هذا الشهر، وقد شهد بلد عربي أكثر من خمسة عشر انقلاباً في أقل من عقدين، وغيرت أناشيد وطنية وكذلك الرايات!
يقول الشاعر الإنجليزي إليوت في قصيدته الشهيرة «الأرض الخراب»: إن إبريل هو أقسى الشهور لأنه يمزج الرغبة بالذكرى. وبالنسبة للعرب قد يكون تموز هو أقسى شهورهم ليس فقط من خلال بلوغ درجة الحرارة حدها الأقصى، بل لأنه شهد خلال عقود حراكات وثورات وثورات مضادة، وأخرى سميت تصحيحية!
وفي المجتمعات الغربية هناك نزوع وطني وقومي للحفاظ على المنجزات خصوصاً الثقافية وذات البعد الحضاري، ولم يحدث أن جاء في باريس من شطب اسم رئيس سابق عن مطار أو ميناء أو جامعة أو شارع، وقد يكون السبب ليس أخلاقياً بقدر ما هو نتاج تداول السلطة على نحو سلمي.
فهل كان تموز العربي أقسى شهور السنة بالفعل أم أن الجغرافيا تحالفت مع التاريخ لجعله كذلك!
ذات يوم علق أحد الظرفاء العرب على تعاقب الانقلابات والثورات خلال النصف الثاني من القرن العشرين قائلاً: إن سبب هذا التعاقب هو المناخ، فمن يستطيع أن يمتطي دبابة في ظهيرة قائظة يحقق ما يريد والناس نائمون أو خاملون في القيلولة.
لكن بعيداً عن الظرف الذي قد لا يكون له متسع في مثل هذه الدراما فإن تاريخ العرب الحديث يحتاج إلى قراءة ما بين سطوره، كما يحتاج إلى إعادة النظر في تسمية الأحداث سواء كانت ربيعاً على غرار ربيع براغ أو ثورات هي في حقيقتها أقل من هذا التوصيف!
إبريل الإنجليزي كما يقول إليوت يمزج الرغبة بالذكرى، وتموز العربي خلط الأوهام بالأحلام!

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى