قضايا ودراسات

القصيدة أرض الخصام

ليس من السهل أن يقتلع البعض جذور حضارة راسخة في التاريخ، ضاربة في الزمان، متجذرة في المكان، نابضة بالروح، وليس من الصعب أن تقول الحضارة كلمتها في الوقت المناسب، وتعبر القصيدة العربية عن نفسها في الوقت والمكان، فهي إن حضرت ستجد قلوباً متعلقة بها، وأرواحاً تميل طرباً لعزفها، وهي مجبولة على دهشة العزف وعذوبة اللغة، ولذلك فإن الصراع الذي يخلقه البعض، ما هو إلا خصام وهمي لا أرضية له، فالقصيدة العربية بمبدعيها تنأى بنفسها عن الدخول في صراعات إيديولوجية هدفها طمس الهوية العربية وإحلال ثقافة مستوردة، تحاول من خلالها أن تفرض واقعا على المجتمع حتى يقبل به، وتكون فيما بعد هي صورته الجديدة التي لا تنتمي إلا إلى المكان الذي تم استيرادها منه، وهنا تكمن الخطورة على المدى البعيد، فحين تسلب الشعوب والأمم تراثها وحضارتها وتتنازل عن تاريخها، حتماً ستفقد هويتها وميراثها الحضاري.
والقصيدة العربية لا تحتاج إلى أن تدافع وتتصادم وتخاصم، فهي بمجرد حضورها الباهر ستخفق لها القلوب وتصفق، وتملأ المكان بهجة، وترسم على الوجوه فرحة، هي السيل الذي إذا اعترض طريقه عارض شق له طريقاً آخر للتدفق ليصل إلى مبتغاه، والقصيدة العربية الأصيلة تتعرض لحرب شعواء وخصام، وصل إلى العراك لدى البعض، مما جعلهم يعدّون من يتمسك بها يعيش خارج الزمان ويتباكى على الأطلال، وجيّشوا من أجل هذا منابر إعلامية كثيرة تعمل ليل نهار على إقصاء المنتمين إلى اللغة وديوان العرب، وتتسللوا إلى بعض المؤسسات الثقافية بحجة الحداثة وذريعة التطوير، مع إن القصيدة العربية متجددة متطورة تواكب العصر ومتطلباته ولا يعني وجود بعض النظامين عيباً على القصيدة، بل هو نقص في الأشخاص وإساءة إلى نتاجهم الهزيل.
حضرت مؤخراً فعالية شعرية كبيرة، كان للشعر فيها جزء خجول، لأن بعض المنتمين والنافذين في تلك المؤسسة يخجلون من القصيدة العربية، ويتباهون بدخول جحر ضب وراء المستورد، حيث دخلت القصيدة العربية في هذا الحدث من باب ذر الرماد في العيون، فشارك من أساء لها بلغة مستهلكة خالية من الدهشة والصورة وهو ما أراده المنظم من أجل إظهارها متهالكة بالية، وشارك أيضاً شاب أظهر ألقها واستطاع أن يأسر قلوب الحضور، وهو في عرين يخاصم قصيدته، ليثبت أن الذائقة العربية لا تموت، وأنها إذا وجدت من يلامس شغاف حسها، ستميل معه وترقص لعزفه.
إنني لست ضد الحداثة فاللغة في حد ذاتها تحتاج إلى تطور، والشعر أيضاً، ومن الطبيعي أن يتطور الشعر في نطاق التاريخ، وقد تطورت الشعرية العربية ‏عبر تاريخها الطويل، وكلما تغير الزمان تتغير الذائقة، ويتحرر الشعر من إطار إلى آخر، لكن المشكلة الحقيقية في أننا لابد من أن نحترم كل نمط شعري، ‏طالما أنه يعبر عن الإبداع الحقيقي، ويؤكد حركة تطور اللغة ‏ويحقق للشعرية العربية نضارتها، والثقافة الحقيقية هي أن تتقبل المبدع في مجاله وتتكامل معه، ولا تدخل في صراع يؤثر سلباً في نتاج الأمة ويمس من حضارتها وهويتها وتطلعها إلى وصول القمم العالية التي تخطو إليها باعتداد وعزة، دون تفريط أو نكران أو خجل من التراث وكنوزه الزاخرة بشتى أنواع المعارف، ولذا فإن القصيدة العربية بمبدعيها ستشق طريقها بعيدا، وتترك للمشككين طريق التبعية الذي سيجعلهم ينكبون على المحاكاة ليل نهار، وستخلد الكلمة مثل ما قال أبو الطيب المتنبي:
أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِها
ويسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاها وَيخْتَصِمُ

محمد عبدالله البريكي
hala_2223@hotmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى