قضايا ودراسات

الموصل بين عهدين

مفتاح شعيب
أثبتت معركة الموصل التي انتهت بالنصر الكبير على «داعش» أن هزيمة الجماعات الإرهابية وسحقها في معاقلها أمر ممكن عسكرياً لأنه الخيار الأوفر نجاحاً والأضمن لبناء الوضع البديل. وقد تحقق الإنجاز الذي كان يُرى، قبل أشهر قليلة، هدفاً بعيد المنال، على الرغم من أن المعركة في الموصل بالذات كانت قاسية وشديدة ودلالاتها ونتائجها ستكون أوسع من حدود العراق.
بعد أيام قليلة من إعلان الجيش العراقي هزيمة تنظيم «داعش» في المدينة القديمة بالموصل، جاءت زيارة رئيس الوزراء حيدر العبادي دلالة على حضور الدولة في استعادة المدينة بعد أكثر من ثلاث سنوات من اختطافها لدى الجماعات الظلامية. والقتال مازال مستمراً ضد «دواعش» يتمترسون في عشرات المنازل بين آلاف المدنيين، ولذلك لم يتم الإعلان صراحة عن «النصر النهائي» وتم إرجاؤه لحفل كبير سيقام في بغداد ويشمل العراق كله بعد تطهير الموصل وملاحقة الفلول الداعشية في تلعفر ومناطق في الأنبار وصلاح الدين.
ويبدو أن هذه المعركة قد علّمت العراقيين الكثير من الدروس ومنحتهم الذخيرة المعنوية والوطنية لمواجهة المستقبل والقطع مع كل السياسات غير السليمة التي أدت إلى ظهور الإرهاب بتشكيلاته المختلفة وسقوط أكثر من نصف البلد تحت براثنه لسنوات وإزهاق أرواح عشرات الآلاف من الأبرياء قضوا في تفجيرات انتحارية ومواجهات بين قوات الجيش والأمن العراقيين والجماعات المتطرفة، وقصف دولي متعدد الجنسيات. وفي انتظار إعلان «النصر النهائي» يفترض أن تكون كل هذه الجراح والوقائع في ذهن صانع القرار والسياسي والمرجع والعالم والمواطن البسيط حتى تكون لهذه المعركة صدى في التاريخ ومحطة للفخر والشرف لأجيال المستقبل. أما إذا غابت هذه المعاني فسيكون حال العراق كحال من «لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى»، بمعنى أن أسباب ظهور «داعش» ستظل خامدة تحت الأرض تترصد شروط العودة للعبث مجدداً وتخريب العمران وتدمير نسيج المجتمع.
المشاهد القادمة من أرض المعركة تنطق بدمار واسع وخراب طال معالم الموصل وآثارها، والأفظع من ذلك الانهيار النفسي الكبير الذي يعيشه أهالي تلك المدينة جراء فقدان بعضهم أهله وذويه وأبناءه، فضلاً عن النهب والانتهاكات التي طالت الحرمات وتجاوزت على حدود الله بين خلقه. وسيحتفظ الناجون بذكريات أليمة وصور صادمة، وخصوصاً الأطفال الذين ولدوا تحت القصف وحبوا بين الخرائب وفي أجواء مرعبة من الموت الذي يتخطف الأرواح غدراً وبغتة ودون مقدمات. هذا عهد عاشته الموصل وأصبح أغلبه اليوم في ذمة التاريخ، أما العهد الجديد الذي يفترض أن يبدأ قريباً فيجب أن يكون صورة مختلفة وبداية مرحلة تعوض من بقي على الحياة وتستذكر الضحايا بالتبجيل والاحترام، والفصل بين هذا الواقع المرير الذي كان، والأمل الذي يجب أن يكون، سيكون مسؤولية الحكومة العراقية بالأساس والمجتمع الدولي، حتى تعود الموصل همزة وصل بين عراقة تليد ومستقبل واعد بالسلام. وهذا الهدف لن يكون مستحيلاً إذا صدقت النوايا ونزهت أفعالها وسياساتها عن المآرب الضيقة. وبعد تحرير الموصل سيستعيد العراق ثاني أهم مدنه بعد بغداد، أما الأهم فهو استعادة الوئام بين أبناء الشعب ودفن الضغائن والنعرات إلى الأبد.

chouaibmeftah@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى