قضايا ودراسات

أعلى مَد.. أدنى جزر

د. حسن مدن

لنا، كما للبحر، مدَّنا وجزرنا. لنا، كما له، أعلى حالات المد وأدنى حالات الجزر. ألم ترَ كيف يغمرك أحياناً التوهج والألق، فيحيل أوقاتك إلى جنات من البهجة والنعيم؟ وتصعد معنوياتك لأعلى الذرى، فتصبح كالموج العاتي الذي لا يكترث بما أمامه من سدود وحواجز، فتغدو مبادراً، مقتحماً للصعاب، ممتلئاً بالثقة والأمل؟
وبالمقابل، ألم تر كيف تنتابك لحظات الخيبة والضيق والشعور بالفقد واهتزاز الثقة حتى في الأقرب من الناس إلى المنطقة المشتعلة من القلب، فتصبح كالبحر في حال انسحابه، منحسراً، ضحلاً، مستكيناً، مستسلماً تتلاعب به حتى نسمة هواء بسيطة؟
ما الذي يدفعنا إلى المد العالي فنصبح أقوياء، متألقين، سعداء، وما الذي يلقي بنا في حالات الانكسار والتراجع والخذلان والألم، فيغدو كل ما حولنا أسود؟
أيكون ما يرفعنا إلى حال المد هو تملكنا شرط الحرية، وإحساسنا بالقيمة في المحيط الذي نعيش وبأن قدرتنا على الحب تقابلها قدرة مشابهة عند الآخرين الذين يبادلوننا العاطفة نفسها، فنكون في تلك الفسحة الوردية محبين ومحبوبين، بكل يحتويه ذلك في ثناياه من وعي ونضج وألفة وحنان، ما يضاعف في النفس قدراتها على العطاء والإبداع، حين نشعر بأننا معنيون بكل تفصيل من تفاصيل الحياة، وبأننا قادرون على أن نلون أوقاتنا بفيض أحاسيس الفرح.
في مكانٍ ما من رواية «زوربا» لنيكوس كزنتزاكيس أتى القول التالي: من الأفضل الانقطاع عن الأحبة مرة واحدة، والعودة إلى الوحدة، وهي جو طبيعي للإنسان. ولكن ما لم يقله الكاتب هو أن الإنسان حتى وهو في أقصى لحظات عزلته يقيم جسوراً مرئية وغير مرئية مع الآخرين، فالآخر القريب من النفس، صاحب الروح الشقيقة حاضر معك حتى وإن كان في الغياب، لأنه ممسك بالتخوم المشتركة للحب والصداقة ما يجعله، وحده، مانحاً إياك القدرة على تذوق الحياة ورؤية ما فيها من مسرات ومكامن جمال، لا يراها خواة القلوب عادة.
غياب شرط الحرية هو ما يثقل المرء بشعور التهميش والخيبة واللا جدوى من كل شيء في الحياة، حين تخنقه أوجه الحصار المتعددة التي تقمع في نفسه المشاعر وتصادر من روحه فسح الجمال، فتجعله منكفئاً، خانعاً عديم القدرة على تحسس المبهج والباعث على الفرح والسعادة.
الإنسان بحر آخر موجود على اليابسة، وكما لمد البحر وجزره أسباب وقوانين تمليها الطبيعة الصارمة في قواعدها، فإن لمد الإنسان وجزره أسبابها. وقوة الإنسان هي كقوة البحر تكمن في أمواجه، فإذ ترتفع في أقصى أحوال ارتفاعها ثم تهبط، فإنها تعاود العلو ثانية، أما الجزر فلا موج له.

madanbahrain@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى