قضايا ودراسات

العنصرية.. الطريق الأقرب إلى الخراب

فيصل جلول
يجاهر العنصريون في فرنسا بعدائهم للأجانب، بغض النظر عن أصولهم والبلدان التي جاؤوا منها، لكن العداء الأكبر يطال الجزائريين الذين يمثلون الجالية الأكثر عدداً بين الوافدين إلى هذا البلد، بطريقة شرعية، أو سرية. واللافت أن هذا العداء حقق في فرنسا مستويات عالية من التعاطف والتأييد الشعبي، إلى أن وصل إلى الذروة عبر منافسة مارين لوبن زعيمة اليمين المتطرف، الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون على الرئاسة في الربيع الماضي وحصدت اكثر من 11 مليون صوت.
وما انفك التيار العنصري المنضوي في «الجبهة الوطنية» يجمع المؤيدين حوله، عبر شعارات تحض على الكراهية، وآخرها زعم «فلوريان فيليبو» أحد قادة الجبهة أن المهاجرين الأجانب حملوا معهم إلى فرنسا أمراضاً كانت اختفت من هذا البلد، ولنا أن نتخيل الأثر النفسي البغيض لمثل هذه التصريحات على فئات شعبية فرنسية تشعر بالخوف جراء العمليات الإرهابية، وتزداد خوفاً وبالتالي، استعداداً لتقبل مثل هذه الأطروحات القميئة. علماً بأن فيليبو يعد من الوجوه الشابة في الجبهة الوطنية أي من الذين كان يعول عليهم في إبعاد الجبهة عن ديماغوجية وتحريض مؤسسها جان ماري لوبن.
والراجح أن استراتيجية فيليبو تقترب اكثر من أطروحات الأب المؤسس للجبهة لوبن الذي كان يردد شعارات في ثمانينات القرن الماضي من نوع: «3 ملايين جزائري يساوون 3 ملايين عاطل عن العمل. طرد الجزائريين يحل مشكلة البطالة في فرنسا». ومعلوم أن البطالة ازدادت منذ ذلك الحين، وما زال عدد المهاجرين الجزائريين على حاله، فضلاً عن أن تنسيب كل المهاجرين إلى الجزائر، يحمل في طياته إصراراً عنصرياً مرتين، الأولى لأنه يطال ظلماً المهاجر الأجنبي الذي استدرجه إلى باريس سوق العمل ولم يأت صدفة، والثانية لأن التحريض يحصر الهجرة الأجنبية بالجزائريين، رغم أنها متنوعة المصادر والبلدان، وإن كان حجم الجزائريين هو الأكبر بين الأجانب، من دون أن يصل إلى ربعهم، بل إلى 10 في المئة منهم، وتفسير ذلك أن فرنسا اعتبرت الجزائر مقاطعة فرنسية طيلة 130 عاماً، الأمر الذي أدى إلى استقرار عائلات جزائرية في هذا البلد باعتباره بلدها.
وكان جان ماري لوبن، الأب المؤسس لهذا التيار العنصري، قاتل في الجزائر، ومارس التعذيب، ويحمل في ذاكرته حقداً دفيناً على الجزائريين، ويظهر هذا الحقد جلياً في تعميمه صفة الجزائري على كل المهاجرين.
وتجدر الإشارة إلى أن الخبراء الاقتصاديين الفرنسيين كذبوا بالأرقام والوقائع مزاعم التيار العنصري الفرنسي، إذ اعتبروا أن عودة كل الأجانب إلى بلدانهم لن تؤدي إلى حل مشكلة البطالة في فرنسا، لأنها متصلة بالاقتصاد، وليس بجنسية العامل في السوق، بل ربما تزداد البطالة إذا ما طرد المهاجرون، لأن الفرنسيين لا يعملون في المهن التي يعمل بها الأجنبي.
وتذهب دراسات المختصين إلى أبعد من ذلك، إذ ترى أن الهجرة الأجنبية فرصة ذهبية لارتقاء الفرنسيين الذين يبدأ ارتقاؤهم من الدرجة التي تلي المهن التي يشغلها المهاجر الأجنبي، وهذا أمر ثابت في كل البلدان التي شهدت نهضة اقتصادية وعمرانية، حيث كانت الأيادي العاملة الرخصية هي أحد أهم عناصر النهضة والتقدم.
ولهذا الاستنتاج ما يؤيده على ارض الواقع بشهادات لا تخطئها عين المراقب الذي عاش طويلاً في هذا البلد، وخبر تفاصيل حياته اليومية. ففي الثمانينات كان القسم الأكبر من سائقي التاكسي هم من الفرنسيين الوافدين من الأرياف، واليوم يمكن لأي سائح أن يخلص إلى أن سائقي التاكسي هم في أغلبيتهم الساحقة من الفرنسيين، أو المقيمين من ذوي الأصول الأجنبية، ويصح هذا الأمر على المطاعم والمقاهي، ومحال بيع السجائر، هذا إذا اردنا استثناء الأجانب الذين يديرون دكاكين يسهر أصحابها لوقت متأخر ليلاً، ويسمي الواحد منهم «جربي»، نسبة إلى جزيرة جربة التونسية. وفي الأمثلة الشعبية الفرنسية «إن احتجت التبضع في ساعة متأخرة فعليك بالجربي».
هذا الانتقال من الوظائف المذكورة لا يمكن أن يتم إلا إلى الأعلى، وبالتالي ما عاد الابن يرث مهنة أبيه بائع التبغ، أو الجرائد، بل صار طبيباً، أو محامياً، أو مهندساً، أو صاحب منشأة.. إلخ، بفضل المهاجر الأجنبي الذي يقف في أسفل الهرم الاجتماعي، متيحاً لغيره الصعود ابتداء من مرتبة أعلى من مرتبته.
ما من شك في أن العنصريين في فرنسا، وفي أوروبا، وبعضهم يتمتع بكفاءات علمية رفيعة المستوى، يعرفون هذه الحقيقة، لكنهم يتخذون من الأجنبي كبش محرقة، مستغلين قلق المجتمع من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، والفلتان الأمني في ضواحي المدن، والبطالة، وأخيراً الإرهاب.. والظاهر أن هذه الاستراتيجية تنطوي على نجاح ملحوظ تمثل في انتقال اليمين العنصري من هامش الحياة السياسية إلى متنها. لكن ما يخفى على الذين يتسامحون مع هذه اللعبة القذرة، أن كبش المحرقة الأجنبي الذي يطال المهاجر الجزائري اليوم قد يمتد غداً إلى الفرنسيين من ذوي الأصول الأجنبية القريبة، ثم البعيدة ثم الأبعد، وقد تطال هذه السيرورة رجال دولة، ونخباً لا يشق لها غبار، كالمجري نيكولا ساركوزي، والإسباني مانيويل فالس، والمغربية رشيدة داتي، واللبناني أمين معلوف.. إلخ، وذلك أقرب الطرق إلى الخراب.

baridchama@gmail.com

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى