قضايا ودراسات

بوتين ينعم بشعبية دائمة

مايك ويتني *
هل فلاديمير بوتين هو القائد الروسي الأكثر شعبية في كل الأزمان ؟ الأمر يبدو كذلك بالتأكيد. ففي استقصاء أجراه حديثاً مركز أبحاث الرأي العام في موسكو، بلغت نسبة التأييد الشعبي لبوتين نسبة غير معهودة وصلت إلى 86 %.
ما يذهل أكثر هو أن شعبية بوتين بقيت ثابتة خلال تراجع اقتصادي حاد، وبعد أكثر من عقدين في موقع القيادة. وخلافاً لمعظم السياسيين، الذين يستمر نجمهم في التألق ما بين 4 و8 سنوات، فإن إعجاب الرأي العام الروسي بالرئيس بوتين كان يتعاظم على مر السنين.
وهذه الظاهرة ليست محصورة في روسيا. فحسب استطلاع حديث العهد أجرته مؤسسة «يوجوف» ( YouGov ) الدولية للأبحاث، فإن «بوتين يحتل المرتبة الثالثة بين القادة العالميين الأكثر إثارة للإعجاب في مصر، والرابعة في الصين والسعودية والمغرب، والسادسة في ألمانيا وفرنسا والسويد». ولا ننسى سوريا، حيث يطلق كثيرون من الأهالي اليوم اسم بوتين على مواليدهم.
وسبق أن اختارت مجلة «تايم» الأمريكية بوتين «شخصية العام» في 2007، في حين بقي بوتين بين العشرة الأوائل على قائمة المجلة خلال العقد الأخير. والبلد الوحيد في العالم الذي لا يتمتع فيه بوتين بشعبية هو الولايات المتحدة، حيث لا تتوقف وسائل الإعلام الأمريكية عن شيطنة الرئيس الروسي ووصفه بتعابير مثل «سفاح الكي. جي. بي.» (جهاز الاستخبارات السوفييتي) أو «هتلر الجديد». وحسب استطلاع أجرته مؤسسة «جالوب» في 2017، فإن 22 % فقط من الأمريكيين لديهم رأي إيجابي في بوتين، في حين أن 72 % لديهم رأي سلبي فيه.
ولا شك في أن الهجمات الشخصية التي تشنها وسائل إعلام أجنبية على بوتين قد أثرت في شعبيته في الخارج. والسؤال الذي يتعين على الناس المنفتحين أن يطرحوه على أنفسهم هو ما إذا كان رأيهم في بوتين هو نتيجة لاستنتاجاتهم هم أنفسهم أو ما إذا كان رأيهم قد تأثر بالحملات الإعلامية الماكرة التي تشنها وسائل إعلام موجهة من كبريات الشركات ضد أي شخص يقف في طريق الطموحات الجيوسياسية الأمريكية ؟. ونصيحتي لهؤلاء الناس هي ببساطة أن يقرأوا كلمات بوتين بأنفسهم ويستخلصوا النتائج.
تدعي وسائل الإعلام الغربية أن بوتين مسؤول عن عدد من الجرائم، بما فيها اغتيال سياسيين منافسين وصحفيين مشهورين. ولكن هل هذا صحيح ؟
لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال، ولكن حيث إنني أتابع حياته السياسية (وأقرأ الكثير من خطاباته) منذ أن خلف سلفه بوريس يلتسين في ديسمبر/ كانون الأول 1999، فإنني أعتقد أن ما تدّعيه وسائل الإعلام الغربية مستبعد جداً. والتفسير المرجح هو أن سياسة روسيا الخارجية تصدّت بقوة لسياسات واشنطن في أماكن مثل أوكرانيا وسوريا، ما جعل واشنطن تصدر توجيهات ل «وزارة الدعاية» (أي وسائل الإعلام الأمريكية الرئيسية) بتلطيخ سمعة بوتين.
وبوتين كان دائماً يدين النزعة الحربية الأمريكية عبر العالم، وقد أصبح عملياً القائد بالأمر الواقع لحركة مقاومة عالمية هدفها التصدي لحروب واشنطن وتدخلاتها لتغيير أنظمة. بمعنى آخر، بوتين تصدى لنظام عالم قطب واحد، كما تصدى لسياسات الإملاء الأمريكية. والتدخلات الأمريكية خلال السنوات ال 16 الأخيرة في آسيا الوسطى، وشمال إفريقيا، والشرق الأوسط لم تفعل سوى تفجير أزمات، وزعزعة استقرار دول، وتحفيز الإرهاب، ونشر الموت والدمار. وفي الواقع، هذه التدخلات باسم «الحرب على الإرهاب» لم تحقق أي انتصارات، بل تسببت بالكثير من العنف وإراقة الدماء.
ولهذا السبب رسم بوتين خطوطاً حمراء في أوكرانيا وسوريا. ولم يكن ذلك لأنه يكره أمريكا أو يسعى إلى المجابهة، وإنما لأن تأجيج واشنطن للعنف يتطلب رداً حازماً.
* كاتب ومعلق يعيش في ولاية واشنطن الأمريكية – موقع «ذا أونز ريفيو»


Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى