قضايا ودراسات

صندوق المرضى

هشام صافي

نتفق على أن كثيراً من متاعب الحياة يمكن للإنسان أن يتحمّلها ويعايشها ويصبر على آلامها، وما تحمله من هموم تجعل الحياة شديدة القساوة، فالجوع يمكن للمرء أن يتحمّله لأوقات متباينة ترتبط بقدرة كل شخص على التحمّل والصبر، وبعد الجهد البدني الشاق يجلس الشخص قليلاً ويأخذ أنفاساً عميقة، فيشعر ببعض الارتياح، والأمثلة كثيرة ليست هي قضيتنا، لكن آلام المرض وحدها هي التي يبيت الإنسان أمامها ضعيفاً، مستسلماً، واهن القوى، وبطبيعة الحال فإن كثيراً من الأمراض إن لم تجد العلاج المناسب تؤدي إلى الوفاة.
يستطيع الإنسان أن يحيا في كل الأوضاع الصعبة، وفي أكثر الأوضاع سلبية وقساوة، بعلم ناقص، في جزء من بيت، ويستر جسمه ببعض الملابس، لكنه لا يمكن أن يعايش المرض بلا علاج أو مقاومة، وأمامه ينحني ظهره وتنهار قواه.
المرء لو لم يتعلم يعيش، ولو أكل نصف وجبة كل 24 ساعة يعيش، ولو نام في ظل جدار يعيش، ولو مضى يومه دون أن يمتلك درهماً واحداً يعيش، لكنه لو مرض ولم يتعالج فإنه لن يعيش!
الضمير الإنساني يفرض على المجتمع الدولي والكيانات الوطنية أن تحل مشكلة تقديم العلاج لكل مريض، ولا تترك من يملك المال يتلقّى كل الرعاية الطبية والاهتمام، ومن لا يملكه يعاني الآلام إلى أن يفارق الحياة.
الضمير الإنساني يحتّم على حكومات العالم أن تكون مسؤولة عن توفير العلاج المناسب لمواطنيها وبأسعار تكون في متناول الجميع، وهنا فلا ضير أبداً أن يكون العلاج السياحي لمن يمتلك ثمنه، والعلاج غير السياحي لمحدود الدخل.
وعليها أن تتدخل لتلجم القطاع الطبي الخاص، وتذكّره بإنسانية مهنته، ولا مانع هنا أيضاً أن يتم التخصص بنوعي العلاج، السياحي وغير السياحي، كالخدمات الطبية الحكومية تماماً، فلا يجوز أن تنسى المؤسسات الطبية الخاصة الجانب الإنساني من مهنتها، وتركز فقط على الربحي، المبالغ فيه، والذي لا يستطيع كثيرون مجاراته، ويحرمون من تلقي خدمات صحية متطورة وعالية المستوى بلا ذنب مقبول.
حبذا، لو تم إطلاق مبادرة بهذا الشأن، يتم الإعلان فيها على سبيل المثال عن إنشاء صندوق للمرضى على مستوى الدولة، تشرف عليه جهة موثوقة، يتلقّى الدعم من الدولة، وتبرعات أهل الخير، و أخذ درهم رسماً على كل معاملة لدى هيئة أو مؤسسة حكومية، وغيرها من المصادر المقترحة، تكون مهمته الأولى الإنفاق على علاج الحالات المرضية المستعصية والمزمنة، والتي تتطلب عمليات جراحية كبرى، كمرضى القلب والكبد والفشل الكلوي والسرطان، وكلّها تتحوّل إلى قاتلة إن لم تجد العلاج المناسب وفي الوقت المناسب.
في عام الخير، الإمارات قادرة على أن تتميز بمثل هذا الصندوق الإنساني الخيري الضروري لكبح آلام المعذّبين، المبتلين بالأمراض القاتلة والمزمنة والمؤلمة ولا يمتلكون ثمن العلاج.

Original Article



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى